علاقات العمل و علاقات السلطة

Publié le par Sahli Yacine

علاقات العمل كعلاقات سلطة:

         إن تحليل علاقات العمل كتنظيم، من خلال مقولة السلطة و تصور المؤسسة كمنشأة سياسية () مقابل تصور عامي يدرك السلطة le pouvoir ـ و الذي يبدو أمرا واقعا ـ  أين لعب السلطة le jeu de pouvoir مدمِّر  أو غلبة احد الأطراف المتنازعة على حساب طرف آخر، للاستحواذ على السلطة. هذا التصور يتعارض مع المقاربة الإستراتيجية الذي يعّ فيه لعب  السلطة جزء لا يتجزأ عن منظومة العلاقة المهيكلة لأي اجتماعي إنسانيّ. و خاصة التي يجري فيها العمل الإنساني.()

     فداخل التنظيم من حيث هو منظومة إنتاجية، توجد إكراهات قوية لكونها تستجيب لمطلبين اثنين:

      أ ـ مطلب متعلق بتقسيم العمل من جهة لما يقتضيه ظروف العمل و المستوى التكنولوجي.

    ب ـ مطلب متعلّق بتنسيق نشاط عمل الآخر. فالتنسيق ذاته يفترض تحديدا الأهداف أوالغايات من طرف جماعة تملك سلطة القرار . في هذا الإطار ، تتحدد علاقات السلطة داخل إطار نظريات التنظيم، مستبعدة بصورة إرادية من حقلها علاقات الغلبة la domination في العمل الذي يولد من وعي بعلاقات الغلبة في المجتمع.()

       و يمكن حسب " برنارد بيرنو " التيارين الفكريين السياسيين ،يكون من الممكن وصف عائلتين فكريّتين اللّتين تنظران لعلاقات السلطة في مواقف متعلّقة بالعمل و التنظيم للعلاقات الاجتماعية للعمل: (·)

العائلة الفكرية الأولى : ترى ضروة تنسيق مفكر فيه من القمة. و يمكن أخذ نموذج لذلك التصور استنادا إلى نصوص " فايول " Fayol . و الذي يعرّف النفوذ l’autorité كـ :   ((حق القيادة و القدرة على فرض الطاعة)). فالرئيس (السيّد/ السلطان) يملك نفوذ مرتبط بمكانته القانونية l’autorité statuaire المرتبطة بوظيفته  و مهمّته. و التي يفضّل أن تكون مستندة حسب " فايول " على نفوذ شخصي.و تكون الشخصية موسومة بالذكاء والامتثال للواجب وتتمتع بموهبة…)(

العائلة الفكرية الثانية:  تقتضي إمكانية المشاركة في اتخاذ القرار و البحث عن المشروعية من خلال الانخراط في مشروع  متخذ القرار.

        هذان النموذجان في ممارسة للنفوذ ضروريان، ذلك أن الممارسة في النموذج الثاني ليس لها معنى إلاّ انطلاقا من النموذج الأول. فهذه الرؤية للنفوذ و السلطة في أنماط التسيير للمؤسسة لا تنطبق إلا على التايلورية عادة. و تعدّ إدارة المؤسسة تبعا له من خصوصية أعضاء الإدارة وحدها و ليس للمنفذين. هذا التقسيم يحيل بصورة مباشرة إلى تنظيم هرمي وإلى استبدادية للسلطة.()

           و يرى " برنو" أن على العكس من ذلك هناك مجموعة من المؤلفين و من بينهم "بارنار Barnard" (1938) يرون إن التنسيق لا يمكن أن يتمّ بنجاعة ما لم يكن  أفقيا ، مقيمين بذلك علاقة  بين السلطة و النفوذ داخل التنظيم ، و مؤكدين على ضرورة موافقة المنفذين للأوامر التي يتلقونها. و بالنسبة لـ "بارنار" فالسلطة هي (( طريقة أخرى للحديث عن موافقة و قدرة الأفراد للإذعان لضرورات المنظومات التعاونية)) . فالسلطة تظهر في التنظيم ، من خلال إطار  اتصال (أمر) رسمي و الذي بموجبه  يقبل "متعاون un collaborateur" أوأي " عضو " داخل التنظيم يقبل أن يُوجِه  فعله . بمعنى  أنه يوافق أن يُحدّد ، ماذا يجب فعله والذي لا يجب فعله.

                                                        (يتبع)

- حسب  آ. توران A. Touraine : يجب عدم تحليل المؤسسة الحديثة كتنظيم بيروقراطي و إنما كمنشأة سياسية، ذلك أن البيروقراطية ليست مهمتها إلا وضع لقواعد رسميّة لكيفيّة اشتغال المؤسسة.  أنظر: Sheild J.-C., Les Grands auteursdes Organisations, Dunod, Paris, 1980, p.59.                                                                                                                            

-BERNOUX P., ,Systèmes d’autorité et relations de pouvoir au sein d’une organisation, in COSTER de M., PICHAULT F. Traité de sociologie du travail, Op.cit.,p.p 359-360.

- BERNOUX P., Systèmes d’autorité et relations de pouvoir au sein d’une organisation,Op.cit,p360.

(·) يمكن فهم أنماط ممارسة السلطة و مشروعيتها من خلال الجذور الفلسفية للتصور المؤسس لمشروعية التنظيمات:الوفاق الاجتماعي Le pacte social كما هو مقدّم من خلال Léviathan لتوماس هوبز Th. Hobbes ، هو وفاق موجه لتشريط المجتمع أين يكون ((الانسان ذئب للإنسان)) ، إذ كل إنسان يرغب و دون هوادة اكتساب سلطة  مضاف إلى ما يملك من سلطة . و تكون وظيفة السيّد (السلطان) هي ضمان الضبط الاجتماعي الممارس على الرعيّة les sujets . والأمر مختلف بالنسبة لـ جون لوك John Locke ، إذ دور السيّد هو حماية الحريّة و ملكيّة المجتمع. تلك الحماية المؤسسة على اتفاق المواطنين les citoyens. فـ"لوك" يعرّف السلطة بالمشروعيّة la légitimité. و حسب رأيه لا يمكن أن تكون سلطة دون الرجوع إلى موافقة المواطنين ـ أي ما يفكر فيه المواطنون . و ما يعتقدونه هو المؤسس للمشروعية ، و إنهم لا يطيعون إلا في حدود أنهم موافقون و راضون. لذلك يلجأ كل سلطان اكتساب موافقتهم و ادمجاهم ودمجهم و له في ذلك وسائل.

إن كل من "هوبز" و " لوك" يقدّمان نمطين للمجتمع ، و اللذان يؤسسان تصوّران للسلطة ، لوظيفتها وممارستها. ففي إحدى النمطين:

ـ النمط الأول : الإكراهي و القهري أين السلطان يرجع له تحديد الخير العام لأنه يرى أنه خير.

      ـ النمط الثاني : التعاقدي  و الذي يكون أساسه الإجماع Le consensus ، إجماع المواطنين.إن هذين التصورين المتعارضين في أساس السلطة و ممارستها توجدان في كل مختلف النظريات السوسيولوجية للسلطة . أنظر : للتمييز بين الشرعي la légalitéوالمشروعية la légitimité، أنظر :Duverger M., Introduction A Une sociologie des Régimes politiques, in Gurvitch G., Traité de sociologie, P.U.F.Paris, 1968, pp., 13-18. . وانظر : M. Duverger,Institutions politiques et Droit constitutionnel,collectionThémis, P.U.F.Paris,1962,pp16-39. فيما يتعلق بأسس الشرعية والمشروعية و تصور الحق الوضعي.

- أنظر : " آراء عن الحكومة المدنيّة Of Civil Government " في عنان م.ع.الله ، المذاهب الاجتماعية الحديثة،دار الشروق،الطبعة الثانية،بيروت،1980،ص15.

-Scheid J-C., p.p. 76-78.

-Bernoux Ph., Op.cit,, p361.

Publié dans Sociologie

Commenter cet article