علاقات العمل و السلطة الجزء الثاني

Publié le par Sahli Yacine

(تابع)

 واستنادا لتعريف السلطة السابق يكتسب مفهوم السلطة خاصيتين:

    ـــــــــــ الخاصيّة الأولى : صفة ذاتية و شخصيّة و المتمثل في قبول الاتصال الذي يقدّم نفسه كنفوذ autorité.

     ـــــــــــ الخاصيّة الثانية:  المتمثلة في الصفة الموضوعية: الخاصية التي بموجبها تكون مقبولة، أي المتعلّقة بمنظومة التنسيق.

          و يضيف " بارنار " ـ لتحديد التصور أكثر ـ بأنه في حالة ما إذا وافق الذي يتلقى الأمر ، تكون سلطة الذي يّوجِه الأمر  تعاظمت. بتعبير آخر ، إن الأفراد الذين يتلقون الأمر هم الذين يتّخذون القرارla décision فيما إذا كان للآمر له  نفوذ أم لا و ليس "الأفراد الذين في وضعية نفوذ " أو الذين يصدرون أوامر ، و الذي يخوله لهم ما هو شرعي بحكم ما يحتلونه في  السلم الهرمي للتنظيم . ولقد توسّع "بارنار" في تفسير أن هذا التصور يتعارض مع الرأي الأكثر انتشارا في عصره. فيبدو مصدر السلطة في الحدود التكنولوجية والاجتماعية لمنظومات تعاونية من جهة، و الأفراد من جهة أخرى.)[1](

        كما يمكن الإشارة إلى أن النمودجين للمجتمع المؤسسيين على تضامن ميكانيكي وتضامن عضوي، كما يبيّن ذلك دوركايم Durkheim E.،  يسمحان بتحديد المكانة التي يلعبها تقسيم العمل ودور السلطة. إذ المجتمعات المؤسسة على التضامن الميكانيكي هي التي يكون التضامن فيها مترتبا عن تماثلات بين الأفراد .  و كل قطيعة  بينهم  ، تعد جريمة  لأنها تخدش الحالات القوية للوعي الجماعي . إنها تمثل ما يعرف اليوم بالنموذج المهياتي القوي le modèle identitaire . أما المجتمعات  المؤسسة على التضامن العضوي والتي تشهد تقسيم عمل قوي ليس غايتها تعظيم الخيرات و لكن توفير شروط وجود تماسك إجتماعي cohésion sociale. وهذا الذي يفسّر أن المجتمعات ذات التضامن الميكانيكي يكون القانون فيها من النوع القمعي. أما المجتمعات ذات التضامن العضوي الجزاء يكون من النوع  restitutif أو إصلاحي أو تعويضي substitutif.إذ ليس الأمر يتعلّق بالتفكير في الذنب وإنما العمل على إصلاح ما تم إفساده. فالسلطة التي تمارس من خلال التشريع تهدف إلى إعادة  الرابط الاجتماعي إلى حالة مرضية  وإبقائه على قيد الحياة وليس تجريم الخطأ.)[2](

      إن النموذج الميكانيكي يتكيّف مع وسط مستقر ، له هيكل اتصالات و سلطة مركزية . كما أنّ المعلومات من اختصاص القمّة و النوع المفضّل للتبادل هو النوع الأفقي بين القمّة والقاعدة. أما النموذج العضوي فالعكس تماما، فهو يتكيف مع الظروف التي لا تعرف الاستقرار والمرتبطة بوسط متغير و غير متوقع . تلك الظروف و الوسط المتغيّر أنشأت مشاكل ، عادة  تكون متجدّدة ومكرهة لمقتضيات و حلول غير متوقّعة. إذ بنية الضبط والاتصال و السلطة يظهر في شكل شبكة. والمعلومة و المعارف لا تعتبر من اختصاص القمّة. إنّ من الممكن أن تكون المعلومة ، في أي مستوى من التنظيم  داخل شبكة . ويكون تحديد موقعها هو تحديد مركز السلطة.)[3](

       من هذا الاستعراض المقتضب و السريع الذي يمثل اختلاف نظريات التنسيق للعمل في التنظيمات يسمح بفهم كيفيّة التنظير للسلطة و النفوذ.

      ففي بداية الأمر، أولا:  يبدو أن السلطة ليس موضوعا للتساؤل، إذ تبدو طبيعيّة ممتلكة حسب التدرّج الهرمي و كيما يحدّده التنظيم الرسمي . و لا تطرح  أسئلة أخرى إلاّ فيما يرتبط بنمط تسيّيرها. إلاّ أن بنماء الدراسات النظرية و الامبريقيّة في التنظيم ، أصبحت مشكلة السلطة شيئا فشيئا مشكلة مركزيّة. فليس الرئيس le chef  ينسّق بصورة "طبيعية" . ولكنّ من خلال ممارسة سلطة، من الصعوبة بمكان وضع حدود لها ، و التي افتقدت البساطة التي طالما اتصفت بها.)[4](

و لهذا ضبط تصور السلطة  له مكانة مركزية في بناء علاقات العمل و تصور إستراتيجية الفاعلين ضرورين في تفسير و فهم   أنماط التسيير التي تقدّم نفسها كنماذج . وهذا الذي سيهتم به الفصل الثالث.

 

 

  



[1]-Bernoux Ph., OP.cit, p361.

[2]-Idem, p. 362.

[3]- Bernoux Ph., OP.cit, p362.

[4]-Idem,

p363.

Publié dans Sociologie

Commenter cet article