علاقات العمل - الجزء الثاني

Publié le par Sahli Yacine

 

كما جدير الإشارة إلى أن مدرسة " العلاقات الإنسانية " أكدت بشكل واسع ضرورة الربط بين العمل و البنية التنظيمية من جهة  و الحاجات الاجتماعية للعمال من جهة أخرى، من أجل أن تكون المؤسسة قادرة على  الحصول على تعاون كلي و كاف  من أجل منظمة أكثر فاعلية.  ومن هنا، يكون صرحا لتنظيم رشيد تام  يضاعف جهوده من أجل سعادة الأعضاء. و الذي يوصّل التوفيق إلى توازن كامل بين الأهداف التنظيمية و الضرورات الشخصية.)[12](

 

          إن تصور " العلاقات الإنسانية " تعرض لنقد كبير، لتوجه منظريه في نفي وجود النزاع الجماعي  ، إذ لم يكن مؤيدا كثيرا للمناجمنة . وهذا ما يؤكده " دافيد سيلفارمان " D.Silverman   في نظريته للتنظيم ، بأن  الأهداف  المرتبطة بإشباع العامل و تنمية الإنتاجية ((ليست في أساسها متعارضة))، و إذا كان التعارض ظهر فذلك لأن العمال يُمارس عليهم تأثير. ومن هنا يبدو مبدئيا على أنه مفتعل و لأغراض أخرى ، لا علاقة لها بمؤسسة اجتمع فيها أناس من أجل إنتاج أكبر . إن هذا الموقف من النزاع لا يختلف في جوهره عن موقف  " تايلور " بل هو نفسه تماما. مما يمكن القول أنه التصور عينه و إنما الاختلاف يظهر في مقاربة النزاع تكتيكيا. أي أن قبول النزاع  الفردي ليس إلا من أجل إبعاد النزاع الجماعي أو ما يدعوه " داهرندوف " R.Danhrendorf بـ نزاع المصالح و النفوذ conflits d’intérêt et d’autorité. ([13])

 

           هذا التأثير يظهر في تأثير النقابة، التي ترى هذه الأخيرة أن مدرسة علاقات الإنسانية تهمل تأثير العلاقات بين النقابة و الإدارة فيما يتعلق باتجاهات جماعات العمل. فلقد لاحظ "رالف دانهرندوف "  أنه لا توجد في دراسات "هاوتورن " حديثا عن النقابات والإضراب والصراعات  الأُجرية salariales    luttes. إذ نظر " مايو "، إلى شكوى العمال كونها مشكلات مرجعها " عيوب أو تشويهات défauts " أو " تشويهات لمواقف ". ففي سياسة العلاقات الإنسانية،  يُقدّم كون العامل مستعدا لتقاسم أهداف المؤسسة و يكفي من أجل ذلك الاستعدادا مساعدته فقط ،لاكتشافها وبالتالي إدماجه في مشروعها. و هذه الرؤية تتعارض مع تصور علاقات العمل. إذ هي تقدم رؤية أخرى للأشياء أكثر واقعية و أكثر شمولية وأقل ورديّة. بمقاربة  العلاقات الإنسانية التي تستند إلى تصور فرداني للعلاقات الاجتماعية، يظهر العمال ليسوا أكثر من كونهم  مجموعة من الأفراد المتّحدين في جهودهم و نيّاتهم " الطيّبة "مع المؤسسة بواسطة علاقات فردية متجاورة لبعضها البعض.)[14])

 

 

 

2.علاقات العمل كمأسسة للنزاع:

 

        إن منظومة علاقات العمل لا تتأسس على وهم مجتمع مصالح مشتركة بين شركاء اجتماعيين، و إنما وجود مصالح متباينة عادة و متعارضة أحيانا. و من أجل التغلب على مصدر النزاعات التي تترتب عن تنظيم العمل ، شجعت كثيرا من الإدارات على أشكال أمست ممكنة خاصة بفضل " العلاقات الإنسانية": التي تقوم على " التعاون السلمي والخاضع و المطاوعة la collaboration". بتعبير آخر يعد  معظم مسيري المؤسسة النزاع كظاهرة عرضية ، ناجمة عن عوامل سيكولوجية لاحباطات العمل اليدوي ، لوتيرة العمل و التقسيم التقني للعمل ...الخ. وليس نتاج البنية أي بنية المؤسسة و طبيعة العلاقة القائمة السائدة في المؤسسة. فالمجهود الذي يبدله المسيرون ، هو تقديم ضرورة : تنسيق  المجهودات لكل العناصر من أجل هدف واحد ومتجاهلين أن المشكلات التنظيم هي مشكلات  منظومة من الوسائل المستخدمة من أجل غاية معينة. و التي يكون غالبا أفراد المؤسسة  لهم فيها آراء متباينة. لذلك تبدو المؤسسة تظهر كمنظومة لسلطة مكلّفة بالضرورة لفرض على الكل غايات البعض، و التي لا يتفق معها بصورة تلقائية البعض الآخر ، من الأعضاء.([15])

 

       إنّ مأسسة النزاع هي وضع إجراءات و قواعد و قيم غايتها التنظيم و إعادة التنظيم  وتوجيه و تسوية النزاعات . و التي يعترف بها الأطراف المتنازعة ضمنيا أو صراحة . فنسق علاقات العمل هو نسق قواعد sytème de règles كما يؤكد ذلك " فلاندرز" Flanders  ـ أحد أبرز المنظرين الأنجليز ، إذ يفضل تعريف علاقات العمل على أنها: ((نسق من القواعد التي تظهر في أساليب و اشكال مختلفة كالأحكام التشريعية و الدستورية وفي لوئح النقابات و في الاتفاقيات الجماعية و قرارات التحكيم ، و في المعاهدات و القرارات الإدارية  و في العادات والممارسة المقبولة )).([16]) مما يدل على أن علاقات العمل لا يؤسسها القانون  فحسب و إنما اللعب الاجتماعي ، لذي يظهر في التعريف في العادات و الممارسات  التي يصفها " فلاندرز" بالمقبولة أي تلك القواعد التي يبنيها الفاعلون من خلال التفاوض والمسالعة و التنازلات . لأن قانون العمل ، يسمح بوضع إجراءات المفاوضة  المنتظمة والتمثيل، و الاتفاق الجماعي collective convention ...إلخ، تؤدي إلى مأسسة علاقات  العمل . مما يبين أن علاقات العمل ليست تلقائية وعفوية و إنما هي بناء جماعي اجتماعي.)[17]( كما تبيّن أن وضع قواعد العمل هو دائما ضمن قواعد أخرى مؤطرة لها ، مشروعة وشرعية . تلك القواعد التي تبني قواعد اللعب الاجتماعي بترهين مصالح يتمثلها الفاعلون و المكرّسة لعلاقة الغلبة أو التأثير المتبادل للفاعلين. الذين يفترض أنهم ينضون في لعبهم  ضمن مشروع واحد. ومن هنا فإن مأسسة النزاع لا تغدو في كونها احتواء للنزاع و تدجينه والحيلولة دون وقوعه أو تخفيض من قدرة الفاعلين على الإزعاج.

 

 

 

3.علاقات العمل كعلاقات سلطة:

 

         إن تحليل علاقات العمل كتنظيم، من خلال مقولة السلطة و تصور المؤسسة كمنشأة سياسية ([18]) مقابل تصور عامي يدرك السلطة le pouvoir ـ و الذي يبدو أمرا واقعا ـ  أين لعب السلطة le jeu de pouvoir مدمِّر  أو غلبة احد الأطراف المتنازعة على حساب طرف آخر، للاستحواذ على السلطة. هذا التصور يتعارض مع المقاربة الإستراتيجية الذي يعّ فيه لعب  السلطة جزء لا يتجزأ عن منظومة العلاقة المهيكلة لأي اجتماعي إنسانيّ. و خاصة التي يجري فيها العمل الإنساني.([19])

 

     فداخل التنظيم من حيث هو منظومة إنتاجية، توجد إكراهات قوية لكونها تستجيب لمطلبين اثنين:

 

      أ ـ مطلب متعلق بتقسيم العمل من جهة لما يقتضيه ظروف العمل و المستوى التكنولوجي.

 

    ب ـ مطلب متعلّق بتنسيق نشاط عمل الآخر. فالتنسيق ذاته يفترض تحديدا الأهداف أوالغايات من طرف جماعة تملك سلطة القرار . في هذا الإطار ، تتحدد علاقات السلطة داخل إطار نظريات التنظيم، مستبعدة بصورة إرادية من حقلها علاقات الغلبة la domination في العمل الذي يولد من وعي بعلاقات الغلبة في المجتمع.([20])

 

 

[1]-COSTER de M., Op.cit., p.21.

 

[2]-Piriou J.-P., Op.cit., p.98.

 

[3]-Weiss D., Op.cit, pp9-10.

 

[4]-Idem, p.10.

 

[5]-Idem, p.11.

 

[6]-Idem, p.14.

 

[7]-Weiss D., Op.cit., p.14.

 

[8]-Idem.pp.14-15.

 

[9]-Idem., p.16.

 

  - [10]يجب الإشارة إلى التسمية ذاتها التي لا تخلو من دلالة. إذ هي تركز على ما هو إنساني و ليس ما هو اجتماعي. و من هنا فهي تؤكد على ما هو فردي و فرداني في مشروع بناء علاقات العمل . و هذا الرفض له دلالته. لذلك تلجأ في أيام  مؤسسها "مايو" و خليفته بعده ٌRoethlisberger  ، كما يلاحظ ذلك فريدمان Friedmann G.، على أن "مايو " ابتكر ما اسماه بـ " الحيلة  le truc "the trick  ـ هذا على لسان خليفته في مداخلة له ، لتبيان على لباقة ميكانيزمات الـ   counselingـ التي ابتكرها في فض النزاع أو سوء التفاهم . يبدو أن the counselor و counseling ـ كانت حيلة ناجعة   اعطت ثمارها ، اعتمدتها المؤسسة في تنظيمها ـ الذي وضع في متناول المأجورين خاصة العمال منهم. فـ "الكنسولينغ" هي تقنية و إجراء تنظيمي لضبط سلوك الأجير، يسمح له  بالتحرر من ما يؤاخذ عليه المؤسسة، و ذلك بالنقد وحتى السخرية من ممثليها و الذي من شأنه التنفيس و تحويل "اتجاهاته في العمل" . إذ سجلت نجاحا عمليا في تغيّيب النزاع. و لقد خصصت لها في سنة 1949ما يقارب 326000دولارا. لقد عدّت "طريقة معالجة التوترات الصناعية" une thérapeutique des tensions industrielles لبناء علاقات صناعية سليمة و صحيّة. فالنزاع يبدو كاضطراب مرضي شخصي يحدث خللا بجسم المؤسسة. ومادامت هذه المدرسة تفترض أنه يرجع لا محالة إلى اعتبارات فردية فحسب مثل: صعوبة في التكيّف الفرد مع التحولات التكنولوجية أو نزاع نفسي لظروف عائلية أو في علاقة مع جيران... يتمّ حلّه من خلال مقابلات طب عقليّة psychiatrique. إذ المستشار الطبي يمثل سلطة الطبنفسيّة و التي يبدو أن وظيفتها هي "انتاج حقيقة " سلوك العامل .  إن المثير للانتباه ليس الحيلة التي ابتكرها "مايو" فقط لتسوية التوترات الصناعية و تجنبها فحسب ، إن المثير أيضا هو قبول المأجورين لهذه الحيلة و انخراطهم في اللعب و قبولهم طوعا أو كرها هذا الحل. إنه حلّ مقبول. لذلك يخل ضمن استراتيجية الفاعلين. أنظر : G. Friedmann, Où va le travail humain ?, Ed Gallimard, 1978, p.p.382-375 و أنظر: فوكو م.، دروس ميشيل فوكو 1970-1982، ترجمة ميلاد محمد، دار توبقال للنشر،الدار البيضاء ، المغرب،ط1،1994.

 

[11]-Weiss D., Op.cit.pp.17-19.

 

[12]-Idem., p.20.

 

[13]-Rocher G., Introduction à la sociologie générale,2. Changement social, Op.cit. , p.p.100 –111.

 

[14]-Weiss D.,op.cit.p.21

 

[15]-Idem., p.22.

 

[16]-Hyman R.,Introdustrial Relations, a Marxiste Introduction,Macmillan, London,1975, p.p. 11-12  عن:  علي غربي ، العلاقات الصناعية في المجتمع المصنع ، دراسة سوسيولوجية، رسالة لنيل دكتوراه في علم الاجتماع ، إشراف د. أ. النكلاوي ، جامعة القاهرة، كلية الآداب، السنة الجامعية 1989. ص 13

 

[17]-Piriou J.-P., Op.cit., p.65.

 

[18]- حسب  آ. توران A. Touraine : يجب عدم تحليل المؤسسة الحديثة كتنظيم بيروقراطي و إنما كمنشأة سياسية، ذلك أن البيروقراطية ليست مهمتها إلا وضع لقواعد رسميّة لكيفيّة اشتغال المؤسسة.  أنظر: Sheild J.-C., Les Grands auteurs des Organisations, Dunod, Paris, 1980, p.59.                                                                                                                           

 

[19]-BERNOUX P., ,Systèmes d’autorité et relations de pouvoir au sein d’une organisation, in COSTER de M., PICHAULT F. Traité de sociologie du travail, Op.cit.,p.p 359-360.

 

[20]- BERNOUX P., Systèmes d’autorité et relations de pouvoir au sein d’une organisation, Op.cit, p360.

 

Publié dans Sociologie

Commenter cet article