كلمات . . أرقام . . أعداد . . نسب إحصائيّة

Publié le par Sahli Yacine

إذا كانت  الأعداد و الأرقام  و النسب الإحصائيّة تقول كلّ شيء، فما الحاجة إلى الكلمات و الجمل؟ ! أما إذا كانت لا تقول  شيء ؟ فما الحاجة إليها؟ أما تراه تقول بعض ما تقوله و تترك شيئا للكلمات ؟ !

أما أن الأرقام تقول كلّ شيء ، فهو مستبعد ، مادام جرت العادة اللجوء إلى الكلمات تعليقا و توضيحا و استنطاقا لها. و أما أن الأعداد لا تقول شيئا، فهو مستبعد أيضا ،  و إلاّ كان استنطاقها مضيعة للوقت و هدرا للجهد.إن الطرح يقع بين ما هو نظري من جهة و ما هو عملي من جهة أخرى. و يبدو للوهلة الأولى أننا أمام معضلة ، عندما نستعرض الأمور في هذه الحدود ، والموضوع  وفق هذا التصور. و مهما يكن من أمر ، فإن كان هذا أو ذاك مقبولا ، فهما يجانبان الصواب . والمعذرة ، إن كان من يرى في هذا الطرح مشقة  للفهم.

إن كلا من الطرحين أو الحلّين ليسا مقبولين  ـ سواء أكان ذلك تحليلا أو ما يحوم حول التحليل و يلحق به ـ لا لشيء إلاّ لكونهما يجانبان ما هو معقول . إذ يتبيّن أن ليس دائما المعقول مقبولا و لا المقبول معقولا بالضرورة. و من هنا يكون من الحيطة بمكان ، الفصل بين المقبول والمعقول و المعقول و المقبول.فعندما تكون الفكرة معقولة ، فلا يعني بالضرورة أن ذلك يرجع لكونها مقبولة،  بل لأنها مقبولة فهي تبدو كذلك. و العكس صحيح كذلك. و هي تبدو مقبولة لطول عهدنا بها ، و ربما لكثرة استعمالها و تداولها و صلاحيتها . فيصبح الاستعمال معيار لمعقوليتها. و تبعا لذلك يبدو وضوح الفكرة و صدق الحكم و معيار الحق و الحقيقة لا يبررها إلاّ العادة وحدها . وتعدّ في هذه الحالة معيارا لصدق الفكرة و" معياري normal " و " طبيعي naturel". و يكون من نظام الأشياء وترتيبها أن يكون ما هو كائن. و من هنا التغيّر أمر مستبعد و مجانب للعقل و الصواب لكونه ليس معقولا. أي أن المقبول عادة معيار المعقول . و لهذا الخروج من المعضلة دعوة لمعاودة النظر والتفكير فيما يبدو أنها مقبول و معقول ، و هذا ليس باليسير السهل إذ المعضل هي في مستوى الوعي.

لقد جرت العادة، ميل الإدارة إلى اتخاذ لغة الرياضيات لغة لها، في تقييم النتائج المدرسية . لكونها إدارة رشيدة و راشدة rationnelle، تضاهي أي إدارة أخرى . و لأنها رشيدة ، لا يختلف تعاملها مع هذه النتائج عن تعاملها مع الأشياء. إذ يبدو أن الكلّ يخضع لنظام واحد و يسيّره منطق واحد. فالنتائج المدرسيّة هي من ضمن اهتماماتها  تخضع لموازنات و مقارنات من  مدخول ومخروج. وإن كان تطابق التعامل مع الأشياء و نتائج التلاميذ معقولا - مقبولا، فهل هناك ما يبرّر الانتقال من العدد إلى الكلمة، و من النسبة الإحصائية إلى الجملة ؟

إذا قيل مثلا: إن نسبة نجاح مترشحي البكالوريا للثانوية الفلانيّة هو 28 % ، و الحكم أن هذه النسبة هي أقل أو أكثر  من الثانوية العلانيّة التي كانت نسبتها 29 %، فما الذي يراد بهذه المقارنة ؟ وماذا يعني في واقع المدرسة هذا الفارق و واقع الاقتصاد الوطني و سياسة الجزائرية و الدبلوماسية العالمية و العلاقات الدولية و الإستراتيجية الكونيّة و واقع أحلام الأسرة الجزائرية و مستقبل التلميذ وجهود الأستاذ و التلاميذ و برنامج الوزاري و ظروف العمل و واقع المنشورات و التعليمات والقرارات و الغيابات و التغيّبات و التنازلات و المسالعات و واقع الوسطات و التوسطات و واقع ظروف إجراء الامتحان و نوعية موضوعات الامتحانات و مقاييس التصحيح . . و واقع هي وقائع . . هل تخضع هذه المقارنة لمقاربة منهجية نظرية ؟ هل تأخذ بعين اعتبار كل هذا الواقع و الوقائع ؟ أم أنها مقارنات بيروقراطية مفرغة من أي منهجية؟ هل هي مقارنة من أجل الكشف عن العطب ـ هذا إذا كانت النسبة الإحصائية تدلّ في حدّ ذاتها على " عطب " ما ـ   و ابتكار حلّ ذكيّ ؟  أم تراها مقارنة من أجل المقارنة لملأ فراغ و تبديد لثروات ؟  ثم ما الحاجة إلى الأرقام و الأعداد ؟ لماذا هذا التلهف إلى تحويل الكيف إلى الكم؟ هل هو بحاجة إلى الوضوح و الدقة لما تقتضيه المعرفة العلمية  في صياغة نتائجها و تعاملها مع الوقائع على أنّها كميات ؟ ثمّ بعد كلّ هذا ماذا يمكن أن تعني هذه الأرقام؟

إذا كانت الغاية علميّة ، فإن العلم ليس  هو مجموعة من الوقائع و لا  ركام من الأعداد والنسب المئوية و إلا كان الكثير من البيروقرطيين  علماء دون منازع. وإذا كان الوضوح و الدقة هو المقصود، فإن كثرة الأعداد بل يجعل من العسير الاستفادة منها وتوظيفها. فما الحاجة للوضوح ، إذا كانت النسبة لم تعد تعني شيئا لوفرة المعطيات الرقمية ـ و لا يعني بالضرورة أنه ندرتها يمنحها قيمة استعمالية ـ هذا إذا افترضنا أنها تعني شيئا من قبل.

فانظر ماذا يمكن أن تفهم عندما في آخر السنة الدراسيّة ، تقرر مجالس الأقسام بأن : 12.75 مثلا  لمعدل سنوي لتلميذ  قسم نهائي ، بأنه " أنهى دراسته " بتعبير آخر  " مطرود " وتقرر من جهة أخرى بالنسبة لمعدل   8.41 لتلميذ آخر  بأنه " يعيد السنة " .  إن العدد يبدو أنه لا يقول شيئا ، ماعدا أن هناك تباين بينهما  و لكنه لا يقول لماذا النتيجة ليست عكسية على الأقل ، إن لم تكن نفسها بالإعادة . يبدو أنه من المعقول أن يكون معدّل التلميذ الأول هو الذي يسمح له بالإعادة والمعدل الثاني . يبدو أننا أمام الأعداد  الوقائع ليست مفهومة بل ليست واضحة . بل أنه تسمح بقراءات مختلفة و ربما متباينة و متعارضة . ذلك أن معدل 12.75 و إن كان أكبر عدديا هو أصغر من 8.41 في سياق ما . بتعبير آخر أن اصغر و أكبر قيمة في اللغة لا تقول بالضرورة ما تقوله العدد . إذ قد يكون الحكم آخر في سياق آخر أو سياقات أخرى. و في هذا مدعاة للحذر في قراءتها و تداولها. و في هذا " السياق " الأعداد لا تقول كل شيء أو هي تقول شيء على منوالها من جهة و عاجزة على أن تمنح نفسها الدلالة  التي يمكن أن تحيل الذهن إليها من جهة أخرى. فيكون الغلط و المغالطة و  يكون " الذهول عن المقاصد " على حدّ تعبير " عبد الرحمن بن خلدون "، ما لم يكن القارئ لها على دراية بالسياق التي تندمج فيه أو تُساق فيه .

و بالتالي الأعداد لا تبوح بكل شيء لكونه فاقدة للقدرة على القول. إن الذي يستعين بها   ويستخدمها هو ناطقها الرسمي و هو عاهل ما يقول و مسؤول وحده أمامها. و إن كانت الأعداد همست بشيء ما ، فهي لا تبوح بكل شيء. و إن سُمع صوتها فهو صوت من يتكلم باسمها فحسب. فإن كان من الضرورة توظيفها، فلندع مسؤولية استنطاقها من يجمعها و يصنفها  و من يقرأها ، كما يود تقديمها لواقع المنظومة  التربوية . فقراءة السياسي ليست قراءة الاقتصادي و قراءة الأستاذ ليست قراءة وليّ التلميذ. إنّ كل القراءات تبدو انطباعات تتلون باهتمامات كل واحد و السياق الذي يتحرك و المصالح التي تربطه بها أو التي تفصله عنها. و في هذا النحو، فهي أبعد من أن تكون علمية.

و تبعا لما تقدّم ، يظهر أن المقارنة بين الأعداد و النسب الإحصائية لا تقدّم للقارئ شيئا في حدّ ذاتها ، اللّهم إلا وهم العلمية ، بما تحيل لفظة "العلمية" من  "وهم  الشفافية lillusion de la transparence ". و  ما يحمل هذا الوهم من الوعي من الاعتقاد في الوضوح الذاتي التي تجرف الأعداد معها بالضرروة. و من هنا قبول الانطباعات العابرة التي تتركها كحقائق ليست قابلة للنقاش لا لعلّة أخرى ، إلاّ  لكونها في منتهى المعقولية.

(يتبع )

Commenter cet article