استراتيجية المنشأة الصناعيّة العموميّة الجزائريّة

Publié le par Sahli Yacine

الجزء الثاني:

أولا:إستراتيجية الفاعلين الاجتماعيين  الاقتصادية بعد الاستقلال:

            عرفت مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني و حتى نهاية السبعينيات تحولات عديدة وعميقة وفي مختلفة جوانب الحياة. كما أن هذه التحولات لم تنطلق من الفراغ بل كانت مبنية على مبادئ ومخلّفات تاريخيّة و تجسيدا لإيديولوجيّة. و لقد اتخذت الجزائر الاشتراكيّة منهجا إيديولوجيا من أجل بناء أو بتعبير أدق إعادة بناء نفسها. و هذا التوجه تؤكده ونستشفه من خلال النصوص الأساسية للدولة ابتداء من مؤتمر الصومام 1956م، و في مختلف المواثيق الوطنية انطلاقا من ميثاق طرابلس للحكومة المؤقتة(جوان 62) و ميثاق الجزائر 1964 وبعده الميثاق الوطني لسنة 1976. و مما جاء في ميثاق طرابلس ـ المصادق عليه بالإجماع في المجلس الوطني للثورة في جوان 1964 ـ في هذا الشأن : ((الثورة الديمقراطية الشعبية بناء دواع للمجتمع في إطار مبادئ اشتراكية و سلطة في يد الشعب)).() و(( حتى تكون تنمية الجزائر سريعة ومنسجمة وموجهة نحو تلبية حاجات الجميع ، وفي إطار التعاون، يجب أن تكون  محصورة بالضرورة ، ضمن  أفق اشتراكي))() و قد جاء ميثاق الجزائر في مؤتمر حزب جبهة التحرير لـ 21 أبريل 1964 موافقا في مجموعه لميثاق طرابلس ، مع الأخذ بعين الاعتبار المستجدات الخاصة بمرحلة الاستقلال و تمّ الإعلان على أن ((الثورة الجزائرية اشتراكية ويجب أن تكون كذلك)). وبمقتضى هذا البرنامج الذي وضع في طرابلس فإن ((الثورة الديمقراطية الشعبية يجب أن يقودها الفلاحون و العمال ، المثقفون والثوريون)) على حساب الإقطاعية والبورجوازية الجزائريتين اللتين (( قد تكون إيديولوجيتها مهدا للاستعمار الجديد)). فعلى الجزائر أن تصبح ديمقراطية شعبية قائمة على التحويل الاشتراكي و موجهة نحو مكافحة "الامبريالية".()

         إلا أن هذه التطلعات و هذا الخطاب الرسمي السياسي اصطدم بالواقع و لم يكن له أثر واضح في تحقيق هذا المشروع الاشتراكي، إذا بقيت مرتبطة بالعالم الخارجي في المجال الاقتصادي. و لم تمر فترة قصيرة على هذا المؤتمر حتّى يتم تغيّير قيادة  البلاد (19جوان 1965) ويظهر الاتجاه الاشتراكي بثوب جديد لتبدأ الجزائر في البناء الفعلي الذي تريده محققا للعدالة الاجتماعية، طبقا لتطلعاتها و أهدافها. و يأتي ميثاق الوطني بعد استفاء يوم 27 جوان 1976، ويحدد الخطوط الأساسية للنظام الاجتماعي و الثقافي للمجتمع . كما وضع الخطّة العامة للدولة الاشتراكية. ولتحقيق تلك الاشتراكية ، في إطار إستراتيجية تنمية متكاملة والتي تطلع عليها المواثيق الوطنية وأكثر في خطب الرئيس الأسبق "هواري بومدين" وخاصة ابتداء من 1966. إذ يصرح بأن ((الكلام عن الاقتصاد الوطني يعني قبل كل شيء استغلال ثروات البلاد من اجل فائدة المجتمع فقط)). كان ذلك في 24 فيفري 1968 في باتنة. فكانت الاشتراكية الجزائرية  إستراتيجية للتنمية الوطنية دون أن تكون ماركسية – لينينية. إذ الثورة في جوهرها من وحي ناصري بوجه خاص ترفض " رسميا" الماركسية والنظام الشيوعي. و مع ذلك، و رغم بعد جوانب الأصالة، فقد اختارت أساليب الثورات الشيوعية ورفضت أساليب الاشتراكية الديمقراطية. و فرضت شيئا فشيئا فكرة الحزب الواحد الطلائعي والتقدمي و التي لم تكن قد برزت في مؤتمر طرابلس.() ومنع تبعا لهذا ، العمل  على الحزب الشيوعي الجزائري وحزب الثورة الاشتراكية ثم على كل تنظيم ذي غاية سياسية. فـ ((جبهة التحرير الوطني هو حزب الطليعة الوحيد)).(·) وتم الإعلان إلى تجاوز ما سُمي بـ " الاشتراكية الفولكلورية" التي أدت إلى الدمار الاقتصادي والتبعية الأجنبية، ومن هنا  بروز  حكومة بومدين، التي رفضت " الرومانسية الثورية ". فأعاد النظام إلى البلاد و تجهيزه باقتصاد حديث. و ظهرت  كأثر لهذا التنظيم دولة مركزية. و كان "التصنيع l’industrialisation " ايديولوجتها،  يبرّر سلطتها ـ كما هو الحال بالنسبة لكل إيديولوجيا(·) ـ و محرك التنمية في آن واحد .() وكما أصبح اتحاد العام للعمال الجزائريين  (المركزية النقابية حاليا) (( تحت إشراف جبهة التحير الوطني إحدى منظماتها الوطنية)) ، مما اضطره إلى الانسحاب من الاتحاد الدولي للنقابات الحرة.() والنموذج المتبني هو نموذج التنمية المستقلة، وقد كان الاختيار هو الاعتماد على " الصناعة المصنعة " أو الثقيلة، التي تقتضي تكنولوجيا ويد عاملة مؤهلة وتمويل معتبر.

(يتبع)

- عدون ناصر د.، اقتصاد المؤسسة، دار المحمدية  العامة، الجزائر،1998،ص40.

- عدون ن. د. ، المصدر السابق، ص40.

- اجيرون ش. ر. ،تاريخ الجزائر المعاصر، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر،1983،ص190.

- اجيرون ش. ر.، المصدر السابق،ص 192.

(·) يجب أن يفهم أن هذا الحزب هو الحزب الذي نشأ طوال فترة الأزمة في صيف1962. أنظر : أجبرون ش.ر.:تاريخ الجزائر المعاصرة،المصدرالسابق،ص193.

(·)  الايدولوجيا السياسية تقترح تعيين الخطوط العريضة للمعنى الحقيقي للفعل الجماعي ، و تحديد نموذج  المشروع وتنظيمها، فتحدد في آن واحد المالكين الشرعيين للنفوذ ، كما توضح الغايات التي من الضروري للمجتمع إدراكها وتجسيدها.فتبدو تلك الغايات و ذاك التنظيم  "طبيعي" و من خلاله تصبح أفعال معيّنة معقولة و مبررة. أنظر : Ansart P., idéologies conflit et pouvoir, presse universitaire de France, Paris, 1er Ed., 1977, p36.

- أجبورن ش.ر.،المصدر السابق ،ص ص 195-197.

- أجبورن ش.ر.، المصدر نفسه، ص192.

Publié dans Sociologie

Commenter cet article