علاقات العمل كتخصص و موضوع للدراسة العلميّة

Publié le par Sahli Yacine

(تابع)

إنّ هذه المدرسة ـ أي مدرسة العلاقات الإنسانية ـ مرتبط بالتطور الذي عرفته العلوم الاجتماعية بعد الحرب العالمية، و حفزتها في ذلك توجهات أرباب الأعمال الأمريكان واستراتيجياتهم . و من بينهم ـ و هو أبرزهم ـ : "هنري فورد" H.Ford الذي يلخص  في هذا التصريح ، مثال لهذا التوجه  الجديد ، و الذي صرّح به في سنة 1945: ((إن الصناعة المتنامية يجب عليها أن تمنح العالم الإنساني كل العناية ، التي طالما منحناها حتى الآن إلى عامل الآلة)). ثمّ يضيف موضحا فكرته قائلا: على أن الإنسان الذي استطاع التغلب على الآلة يمكنه التغلب أيضا على الصعوبات التي يتسبب فيها سوء التفاهم بين أرباب العمل والعمال.)( والملاحظ أن هذا التأكيد "الإنساني" في الخطاب و الإشارة إلى النزاع كسوء فهم فحسب . إن الخطاب استراتيجي و الكلمات منتقاة ، إذ النزاع ليس نزاعا حقيقيا وإنما هو يعلق بفهم قاصر . لذلك الجهود ستكون في توضيح وجهات النظر و ترشيد العلاقة على أساس ماهو علمي. أي أن النزاع يعذ ظاهرة غريبة عن جسم المؤسسة الليبرالية رغم الميل إلى الاعتراف بما هذه الرياح "الإنسانية " التي هبت على المؤسسة و"أحس" بأهميتها مسيريو المؤسسة .  لذلك تبدو مقولة " علاقات إنسانية "() يعدّها مؤلفون معينون وباحثون شديدة الارتباط مع تصور " المشاركة la participation " و ينظر إليها كوسيلة تسمح للمرؤوسين ومن هنا التابعين ،  subordonnés  المشاركة في عملية اتخاذ القرار و ذلك تحفيزا للتابع على الإبداع و تحميسا للفرد على العمل أفضل. إن اكبر فائدة نظرية تؤكدها هذه المقولة هي كونها تعطي الاعتبار إلى العامل في حقه كفرد "مبدع خلاق" في جماعة متعاونة  و إعطاء قيمة إنسانية ضاعت في ظل سياسة المغالاة في الترشيد و النجاعة المتزايدة و للتصور التبسيطي الاختزالي والمفرط للعمل و المراقبة المتفاقمة . كما أن هذه المقولة تقدّم نموذجا لـ " موارد إنسانية les ressources humaines" التي تتجه إلى اعتبار، كل أفراد التنظيم  خزّانا من الموارد المستعملة والقابلة للاستعمال . ليس في شكل قدرات فيزيائية  بل  إمكانات مبدعة وقدرة على التأثير بصورة مسؤولة و مراقبة ذاتية يمكن الاستفادة منها بشكل مغاير . و لهذا أصبح التصور بالنسبة للمسيّر"manager" مختلف، إذ لم تعد مهمته توزيع الأوامر وإعطاء تعليمات و انتظار التعاون لمرؤوسيه ، و إنما توفير مناخ  يسمح بالاستعمال الكامل لهذه الموارد  و توزيعها لخدمة المشروع.

            إنّ تحسن الإنتائج حسب نموذج " العلاقات الإنسانية "، يأتي مباشرة من اشتراكات المبدعة للمرؤوسين في اتخّاذ القرار، و للإدارة و المراقبة لمختلف مصالح المؤسسة.()

 

-Idem., p.16.

  - يجب الإشارة إلى التسمية ذاتها التي لا تخلو من دلالة. إذ هي تركز و تؤكد على ما هو إنساني في علاقات العمل و ليس على ما هو اجتماعي ، مستبعدة على ما يمكن أن يكون فب العلاقة من طابع جماعي و ما يستلزم ذلك من تبعات و تداعيات ممكنة . و من هنا فهي تؤكد على ما هو فردي و فرداني في" مشروع  " بناء علاقات  العمل . و هذا الرفض و الحذر في الاستخدام  و الاختيار في تسمية الأشياء بمسميات محدّدة ليس اعتباطيّا و جزافيّا ، إنّ له دلالته التي تمّ و يتمّ تبيانه في هذا التحليل. و هذا الذي يُفسّر كيف أن تلجأ في أيام  مؤسسها "مايو" و خليفته بعده Roethlisberger  ، كما يلاحظ ذلك فريدمان Friedmann G.، على أن "مايو " ابتكر ما اسماه بــــــ " الحيلة  le truc"the trick  ـ وكان هذا الوصف على لسان خليفته في مداخلة له ، لتبيان  لباقة ميكانيزمات ما سماه بالــــ   counselingـ التي ابتكرها كحلّ في فض "النزاع" أو "سوء التفاهم le mal-entendu" . يبدو أن the counselor و counseling ـ كانت حيلة ناجعة   اعطت ثمارها و أُكلها، اعتمدتها المؤسسة في تنظيمها في إفراغ النزاع من أي مضمون جماعي و توطيقه و احتوائه بردّه إلى دائرة فردية – نفسيّة خليقة بالعلاج النفسيّ و الرعاية السيكولوجيّة ـ و التي وضعها في متناول المأجورين خاصة العمال منهم. و لهذا يبدو  "الكنسولينغ" في منبته و ظروف نشأته كتقنيّة و إجراء تنظيمي لضبط سلوك الأجير و تدجينه و تطوعيه للتنظيم القائم للمنشأة، يسمح له  بالتحرر من ما يؤاخذ عليه المنشأة، و ذلك بالنقد وحتى السخرية من ممثليها و الذي من شأنه التنفيس و تحويل "اتجاهاته في العمل" . إذ سجلت عمليا نجاحا في تغيّيب النزاع. و لقد خصصت لها في سنة 1949مايقارب 326000دولارا. لقد عدّت "طريقة معالجة التوترات الصناعية" une thérapeutique des tensions industrielles لبناء علاقات صناعية سليمة و صحيّة. فالنزاع يبدو كاضطراب مرضي شخصي يحدث خللا بجسم المؤسسة. ومادامت هذه المدرسة تفترض أنه يرجع لا محالة إلى اعتبارات فردية فحسب مثل: صعوبة في التكيّف الفرد مع التحولات التكنولوجية أو نزاع نفسي لظروف عائلية أو في علاقة مع جيران... يتمّ حلّه من خلال مقابلات طب عقليّة psychiatrique. إذ المستشار الطبي يمثل سلطة الطبنفسيّة و التي يبدو أن وظيفتها هي "انتاج حقيقة " سلوك العامل .  إن المثير للانتباه ليس الحيلة التي ابتكرها "مايو" فقط لتسوية التوترات الصناعية و تجنبها فحسب ، إن المثير أيضا هو قبول المأجورين لهذه الحيلة و انخراطهم في اللعب و قبولهم طوعا أو كرها هذا الحل. إنه حلّ مقبول. لذلك يخل ضمن استراتيجية الفاعلين. أنظر : G. Friedmann, Où va le travail humain ?, Ed Gallimard, 1978, p.p.382-375 و أنظر: فوكو م.، دروس ميشيل فوكو 1970-1982، ترجمة ميلاد محمد، دار توبقال للنشر،الدار البيضاء ، المغرب،ط1،1994.

-Weiss D., Op.cit.pp.17-19.

Publié dans Sociologie

Commenter cet article