المقاربة الاستراتيجيّة الجزء الأول

Publié le par Sahli Yacine

التمهيــــد : 

                   إن هذه المقاربة تفكير في مدى المساهمة التي يمكن لعلم الاجتماع تقديمها لفهم التغير ومصاحبته. أي  التفكير في مدى إمكانية تدخل علم الاجتماع  في تسيير التغيرla gestion du changement . باعتبار أن التغير الموجّه le changement dirigé هو فيما يمكن أن يساهم به عالم الاجتماع من صياغة إستراتيجية للتغير. أي بتعبير آخر مغاير، أن يجعل نفسه لسان حال الميدان والوسيط بين معاش الفاعلين الاجتماعيين وإنتاج منطق آخر ممكن لقيام علاقة صحية ، في خدمة المؤسسة و الاشتراك ـ كمتدخل intervenant ـ في " تعلم الفاعلين التغيّر l’apprentissage du changement ". لذلك أول ما يلجأ إليه  عالم الاجتماع في المرحلة الأولى، هو تشكيل معرفة امبريقية لمنظومة الفاعلين العينية: فيكشف عن تمفصلات ومعدلات السلطة وإستراتيجية الأفراد والجماعات التي تشكلها ـ أي المنظومة ـ والديناميكية الكليّة للكلّ. ثم في المرحلة الثانية هو تحويل هذه المعرفة إلى المعنيّين التي بإمكانهم استخدامها. إن عالم الاجتماع ليس هو الذي يقرّر و إنما يتدخل على مستوى طريقة تفكير الفاعلين فحسب. ذلك  أن التغير ليس ميكانيكيا ، فهو لا يحدث إلا  بتعبئة فاعلين آخرين، وجلب اهتمامهم إلى التمشي المتبَنى، ومن هنا إنشاء ديناميكية اجتماعية.( )  و بالتالي يبدو بوضوح  أن التحليل السوسيولوجي يتجاوز التقنية  وطابعها الأداتي(). 

 

 

 

المقاربة النظرية:

 

            شهدت مقاربة البحث نجاحا عمليا في تفسير و فهم ، ما يسميه الأستاذ "فرنسوا بيشو François Pichault " بـ : " المشاريع الفاشلة "( ). لكونها تسمح بتفسير كيف أن المشاريع التنظيمية projets organisationnels للتغير تخفق ضمن لعب الفاعلين الاجتماعيين، و من خلال الاتفاق وتبعا  لعلاقات القوة ، و التي يترتب عن تطبيقها آثارا غير مرغوبا فيها و غير متوقعة. كما يجدر الإشارة أنّها لا تفسّر التغيّر إلا من خلال الأزمة. ذلك التغير العنيف و الذي يشكل قطيعة صادمة وليس تغيّرا تطوريّا un changement évolutif. كما تمكّن من فهم لماذا مشروع تغذيه إدارة التسيير لا يأخذ بعين الاعتبار الفاعلين و بالتالي يتم تحريفه و تطويعه و توجيهه من خلال لعب الفاعلين، لكي في نهاية المطاف لا ينتج عنه شيئا غير متوقع. 

            إن مقاربة البحث تُعدّ منحى يدور ضمن مقولة: الفاعلين les acteurs و ألعاب السلطة     jeux de pouvoir والتأثير والمساومة والتعاون و التنازلات و المفاهمات  والمسالعة le marchandage. أي بتعبير أدق و أوضح ـ و ربما أبسط ـ يدور لعب الفاعلين  ضمن  التفاوض.

        فهذه المقاربة ـ بعد تجاوزها العراك الأول للمناهج في بداية القرن العشرين ـ تتجاوز التصور أوالمنحى الحتمي للظواهر الاجتماعية  يحدوها في ذلك علوم المادة و أو العلوم الصلبة   les sciences dures الذي اعتمدته العلوم الاجتماعية . و تستند إلى عدّة مسلمات يمكن استنتاجها  على النحو التالي:

المسلمات الثلاث للتحليل الاستراتيجي:

الفعل الإنساني فعل منظم une action organisée، قصدي مبني أي ثقافي وليس حدسيا وتلقائيا، أي أنه يخرج عن كونه فعلا طبيعيا. 

الفعل الإنساني لا يخضع للحتمية كما الحال بالنسبة للمادة ، و المبدأ الذي تقوم عليه العلوم "الصلبة". إنه فعل حر ، إذ يتمتع الفاعل باستقلالية في اختيار أفعاله ضمن اكراهات معينة. فالاكراهات ليست محددا لاختياره و إنما هي التي تجعل اختياره محدود limité فحسب( ). لهذا يكون الفعل ممكنا و ليس ضروريا.

1. الفعل الإنساني مبني بواسطة البنى و هو يبنيها في آن واحد. أي أن المنظومة يبنيها الفاعل  وهي التي تبني الفاعل في الوقت نفسه.

 

             و يقوم التحليل الاستراتيجي على التوكيد على مقولة الفعل المنظم l’action organisée . وهذا هو اتجاه تمشي تحليل كل من ميشال" كروزيه و فريدبارغ" M. Crozier  و Friedberg E.. اللذان  استعرضا مقاربتهما  في مؤلفهما : الفاعل والمنظومة l’acteur et le système. والذي يتضح  في حوار مع "  م. كروزيه " و ردا على سؤال مفاده: المقصود بالتحليل الاستراتيجي والذي تُعرف به سوسيولوجيته () يجيب قائلا :أن  (( في " التحليل الاستراتيجي" ، يتضمن مقولتين. أولا " تحليل analyse «  التي من اللائق مقابلتها  بـ " نظرية théorie » ". عن هذا التقابل يدل  أننا نؤكد على وصف  المواقف التي نحللها، بمعنى أن وجهة نظرنا ليست    prescriptions تعليمات . و هناك أيضا "إستراتيجية stratégique «، مقولة تقابل التخطيط planification، ومقولة تسمح بتجاوز " الحتميّة le déterminisme »". كما تسمح باستبدال إن هذه المقابلة الثانية يعني بالنسبة لنا  أن السلوكات موجهة orientés les comportements sont ،  ومقصودة intentionnels. والمهم هنا هو بالتحديد معرفة إلى أي شيء تؤول )). ( )

       و إذا كان كروزيه يعترف بأن مقولة إستراتيجية  ليست اختيارا " سعيدًا " ، إذ هو يذكر بالحرب، إلا أنه يرى أنه لم يجد أفضل منه.  و إذا قبلنا بالتعريف التالي للاستراتيجيات على أنها "فن علاقات القوة" – باستخدام القوة بمفهومها الواسع أي  الذي يتضمن لعب التأثيرات le jeu des influences . و بهذه الدلالة يقبله  " كروزيه ". و لكنّ هذا الإستراتيجية لها عدو يتمثل في عدم اليقين  l’incertitude المتعلقة لسلوك العدو أو الشريك. فإرادة " التحليل الاستراتيجي " مردّها الرغبة في فهم السلوكات الذي يفترض فيها أنها  تتمتّع  بقصدية une intentionnalité ، وأيضا في كونها متغيرة variable على حسب إكراهات و موارد الفاعلين التي يتمثلونها في فترة زمنية معينّة . فالقصدية  حاضرة  دائما ولكن الاتجاه متغير تبعا  للسياق: صديق /عدو.( )

      كما  ترى المقاربة الكروزيرية أن التحليل  للمواقف العينيّة هو ضمن زوجين من  المقولات: 

• الزوج الأول: " إستراتيجية – لعب " و " سلطة - عدم اليقين "  . إذ الفاعل الاجتماعي هو العنصر الرئيسي لهذا التحليل. والفاعل الاجتماعي له سلوك استراتيجي  الذي سيتمّ فهمه ضمن العلاقات التي يستغرق فيها.  و إن هذا الإطار العينيّ لمنظومة العلاقات سيمكن من فهم الفاعل خاصة، و إلى أي مدى إستراتيجيته تُعدُّ رشيدة. و من اجل فهم هذا ، من الضروري أن نفهم اللعب الذي ينخرط فيه كل فاعل اجتماعي.

الزوج الثاني: هو " السلطة – عدم اليقين " يسمح  فهم : كيف الناس يتصرفون داخل  عالم من الاكراهات . كما يجب النظر  في أفعالهم  من خلال السلطة ، إذ يبدو أن دون سلطة ما  لا يمكن الفعل أو التأثير. و لهذا يعرف " كروزيه "  السلطة  ضمن مقولة "علائقية ". إذ ((ليس لدينا سلطة خارج علاقاتنا مع الآخرين)) على حد " كروزيه ". وهذا تصوره للسلطة فحسب. إنها العلاقة التي فيها "مقولات التبادل" التي تكون موافقة لمصالح الفاعلين الاجتماعيين أو بتعبير أدق إلى كيفيّة تمثل الفاعلين مصالحهم. ففي السلطة يوجد دائما التبادل في التأثير  (الثأثير في الاتجاهين). ومقولة " سلطة ـ عدم اليقين " تفترض أن في مجموعة منظمة، يكون للفاعلين سلطة لكونهم يملكون مناطق عدم اليقين. فالفاعل يمارس سلطة على أفراد ما لأنه يتحكم على منطقة عدم اليقين التي يخضعون لها. وبما أن مواقف الاحتكار   نادرة ، فكل يحاول أن يؤثر تبعا لمناطق اليقين التي يتحكّم فيها. ومن هنا تعقد وجهات النظر للأفعال و التناقضات  عندما يتعلق الأمر بالعقلنة أوالترشيد. فكل يريد أن يكون الآخرين مرشدين rationnalisés، بشرط أن يبقوا هم أحرارا. 

Publié dans Sociologie

Commenter cet article