الترجمة و دلالة الكلمة و المنظومة التربويّة

Publié le par Sahli Yacine

إذا كان من الضروري أن نترجم لكي نجد ما نحتاج إليه في تعاملنا مع بعضنا البعض ، كجماعة غير رسمية أو رسمية، فيجب علينا أن نختار بين السيء و الأسوأ  و أن يقع الاختيار على ألأقل سوء. علما بأن التفرقة بينها يتوقف على منظومة القيم التي تتبناها الجماعة و تعترف بها.

فالكلمة أو اللفظة قد تكون جارحة و نابية، و قد تكون شافية و عافية، و قد تكون مستهجنة و مستقبحة ، أو مستحسنة مستقبحة. فليست الكلمة التي نعنت بها الأفراد "كلاما فارغا من محتواه" إنّه يضج بدلالة أو دلالات،  حاملا و محملا بالمفهوم أو مفاهيم يقصده أو لا يقصده مستعملها. فلسنا بصدد المحاسبة ولا المحاكمة. و إن كانت محاكمة فهي فكرية و دعوة إلى المساءلة و التفكير فحسب.

فانظر معي ، فهذه الترجمة التي تثير الاستغراب، و هذا الاختيار في النعت و التسمية و وصف الأستاذ: فلقد ترجم من الفرنسية تسمية   «le professeur surveillant »إلى "الأستاذ الحارس" و في وثائق رسمية ليست بالمجهولة لدينا كأساتذة، يكتفى في الكتابة على الاستدعاءات " للحراسة" بـ: " الحارس" و جمعها " حراس".  و الجمع يضيرنا كثيرا، لأنه من جهة يغيّب الأستاذ و يجمع مع غيره من "الحراس". و نعترض على الترجمة التي نرى أنها اختيار سيّء و يسيء إلى الأستاذ كل الإساءة. و ليس الأستاذ فحسب. و ذلك لأكثر من سبب.

أول الأسباب: الإساءة في التمييز في الاختيار ذاته في الترجمة عينها. فلقد حدث التمييز و استمر في الإصرار على أن لفظة « surveillant « تقابلها : حارس ، علما بأن الإدارة نفسها تترجم اللفظة نفسها « le gardien »  إلى حارس بأن الإدارة تستنكف أن تسميه ،  فتدعوه " حاجب" . و لا ندري يحجب من، مِن من؟  يحجب الإدارة أو حاشيتها أو حريمها أو جميعهم؟ تلاحظ أن الإدارة تعطي لنفسها ألقابا و تسميات من شأنها أن تعلي من مكانتها و تضخم من شأنها. ثم تمنح الأستاذ: تسمية الحارس لمن هو ليس حارسا في المناسبات. ففي المناسبات يظهر تسلطها و استخدامها لوسائل قمعها. و أوله هو حرمان الأستاذ من الأستاذية، فلا يصبح شريكا في العملية التربوية و إنما تابعا للإدارة. فتنصب من يراقبه و يوجهه و يحفّزه على السهر على حسن سير الامتحان. لذلك تجدها تدعو من كانت تسميها سابقا " المراقب العام" الذي هو ترجمة لـ « le surveillant général » بـ " مستشار التربية" . و أنت تلاحظ أن لقبه لا يتغيّر في و خارج الامتحان. كما تلاحظ التسمية كيف تعطي لوظيفته طابعا تربويا و ليس تقنيا كالمراقبة و الحراسة، فضلا على أن الترجمة ليست نفسها كما الحال بالنسبة للأستاذ. فـ Le surveillantبأعجوبة لم تصبح مواتيا بل جارحة. فيكتشف بأعجوبة أخرى أن "المراقب العام" ليس حارسا إنه "مستشار تربوي" فلماذا هذا التمييز في الترجمة. فالتمييز قائم لا محالة و لا نعتقد أنه بريئا. و لذلك يرى نفسه في الامتحان و في التحضير له تتولى الإدارة تولي "مهمة السهر على "مصداقية الامتحان و نزاهته"، فهي المرجع و هي الضامن له. فتكلّف نفسها "عبء" جمع و تقديم "أحدث" "التقنيات" و الفنيات، التي هي عصارة تجربة طويلة و مريرة و ميدانية لخبراء «الحراسة " و الفراسة. فيبيّن للذي كان " أستاذ" كيف يكون حارسا ناجحا لا يشق له غبار. فلا يخدع و  لا  و الغريب  في الأمر، أن الأستاذ نفسه يعيش هذا الوهم أو ما يسميه "  عالم الاجتماع بيار بورديو P. BOURDIEUبـ " وهم المهمًّة". علما بأن الامتحان هو سحب من الأستاذ صفة الشريك ورفض صارخ ـ لمن يريد السمع طبعا ـ  للشراكة منه و تضييق لصلاحية الأستاذ و تقزيم لمجال تدخله و تأطيره و لإشرافه  لسير الامتحان، من قبل و بعدُ.

ليس مهّة الأستاذ في الامتحان من قبل و من بعد هو الحراسة، سيتركه لغيره. فإن افترضنا أنها الحراسة فهناك من يدرب على ذلك الأمر. و إن كان من يصرّ على أنّ مهمة الحراسة فيجب أن نطالب بدورات تدريبية و تربّصات مغلقة لكي تنجح هذه المهمة الخطيرة.  و ليتحول الأستاذ إلى منفذ إلى تعليمات و توصيات و خائفا من تهديدات في حالة لإخلال بها.

(يتبع)

Publié dans A lire et à discuter

Commenter cet article