تسيير الموارد البشرية - الجزء الثاني

Publié le par Sahli Yacine

 

فهذه الوضعية الجديدة المختلفة في جوهرها مع التي سبقتها، من حيث الظروف الموضوعية، اقتضت تجاوز النمط التايلوري / الفوردي لتنظيم سيرورة العمل و علاقة العمل بالتقنية. إذ بظهور ظروف جديدة للمنافسة السلعية أو معيار صناعي جديد . يجعل تنظيم العمل وطرق تنظيمه مرتبط بتحولات  المستوى التقني المستدخلة . فالتكنولوجيا الجديدة ليست جملة من الآلات التي يمكن ترشيدها و ترتيبها ماديا لإنتاج أكثر و تمكن من الاقتصاد في الجهد المبذول وتخفيض لنسبة تبذير الوقت. كما أنها أيضا علاقات إنسانية مغايرة و معايير أخرى تبنى وإشكالات جديدة للمؤسسة و التي من الضروري التكيف معها. فالتكنولوجيا ليست أشياء فحسب إنها تجسيد لقيم و معايير إنسانية.) (

رغم أن تسيير الموارد البشرية ليس تابعا للمعرفة السوسيولوجية. فإنه من المهم تحديد نقاط التقاء بينهما. لقد فضل كل من تسيير الموارد البشرية و السوسيولوجيا الاهتمام أكثر  دراسة التنظيم  الذي كان غايته اقتصادية، و كانت المؤسسة الصناعية خاصة هي المفضلة لديهما في الماضي كحقل للبحث. و كل منهما أظهرا تفضيلا لدراسة البعد النقابي والأجرة وزمن العمل.

و إذا كان هناك نقاط التقاء بين التخصصين، فإنه لا يجب الخلط بينهما و الذهاب إلى الاعتقاد أن تسيير الموارد البشرية   كشكل أو تفرع لعلم الاجتماع العمل. حتى و إن كان يتغذى  من السند  النظري الذي تقدمه له المعرفة السوسيولوجية. فتسيير الموارد البشرية  ينتمي ودون منازع للمناجمنة، من حيث تاريخه و أهدافه.

2. تسيير الموارد البشرية كممارسة للمؤسسة: 

 من الناحية التاريخية، تسيير الموارد البشرية (GRH) هو تخصص ذو أهداف طموحة نمت ابتداء من السنوات العشرين للقرن الماضي ، خاصة تحت تأثير  و طموح " تايلور" Taylor"و"  فايول " Fayol  من أجل أن يكون تنظيم علاقة العمل بالتقنية : علم الإدارة la science du management. فـ" تايلور" تصور هذا التسيير من خلال إدارة علمية للعمل(OST) :              ( Organisation Scientifique du Travail ). والتي تميّز بشكل جذري التصور la conception و التنفيذ l’exécution  في سيرورة العمل، بغية نجاعة أكثر. أما " فايول " فتصوره  في صالح  إدارة تنظيمات التي قام بتجزئتها إلى جملة من العمليات ، والتي يمكن تلخيصها باقتضاب ، على النحو الآتي: التنظيم والقيادة والتنسيق و المراقبة و التوقع.

و يبدو أن الإدارة الحديثة فرضت نفسها كتخصّص علميّ، كأثر للأزمة التي مرت بها المؤسسة الصناعية الغربية. و من هنا فهو جزء من إستراتيجية المؤسسة في معالجة الأزمة وتجاوزها. و تترجم في ميل المسيرين إلى الاهتمام بأهمية العامل الإنساني و"العامل" تحديدا في تسيير المؤسسة. أوما اعتبروه بالمورد البشري ressource humaine و متجاوزين فكرة اعتباره كلفة. 

إن تسيير الموارد البشريّة حسب " آلان تورين " Alain Touraine – في استعراضه لحصيلة وواقع وآفاق سوسيولوجيا العمل ، يعدّه : (( جسم من المعارف التطبيقية)) المرتكز أساسا على علوم العمل ، وله موضوع هو حل المسائل المتعلقة بتسوية النشاطات الإنسانية داخل التنظيمات. وبالتالي فهو ليس علما و إنما حصيلة تجربة مكتسبة ميدانيا لقدرة المؤسسة الصناعية على تكيفها مع ظروفها الموضوعية ، مما يؤكد الطابع الأداتي لتسيير الموارد البشرية. فهو لا يطلب هدفا تحليليا في صالح وصف و ملاحظة من أجل التفسير كما الحال بالنسبة لعلم الاجتماع العمل. وبالمقابل  فهو يبدل جهدا أكثر في فهم الأطر التنظيمية التي من شأنها تقديم للفاعلين الاجتماعيين والوسائل المناسبة لتغيير واقع اجتماعي اتجاه نجاعة أكبر في إنتاج أكثر و زيادة قدرة التنافسية للمؤسسة فحسب.

لذلك لا تختلف الموارد البشرية عن التصور التايلوري و مدرسة العلاقات الإنسانية في الهدف و إنما تختلف في إستراتيجية كل واحدة في دفع العالم للتعاون مع التنظيم والنظام الاجتماعي القائم. ويرى "بيرتي " أنه تبيّن له من تفريغ الوثائق ـ المتوفرة له للمؤسسة الليبرالية بعد الأزمة ـ بروز تطورا لتوجهات السياسات الاجتماعية من خلال تقارير سنوية للنشاطات والتقريرات الاجتماعية كلها، توافق على إعطاء مكان متنامي للجانب الاجتماعي. و قد تبين له أربعة أبعاد تفرض نفسها للتسيير الموارد البشرية.

3. أبعاد تسيير الموارد البشرية : 

       تسيير الموارد كاستراتيجة حل مشكلة التعاون بين أفراد متباينين المصالح. تتمثل في: 

 المرونة: la flexibilité يبدو أن المؤسسة تبحث عن المرونة لضمان رشاقتها مقابل التحولات. و لقد لاحظ في 1979 ميلاد تسيير جديد عقلاني للمستخدمين يصفها بأنها رفيعة و متغيرة و لها قابلية للتكيف. ترتكز حول نواة مستقرة من المأجورين الدائمين . كما مع هشاشة منصب العمل تميل المؤسسة إلى la sous-traitance الداخلية والخارجية، و ذلك بفرض تسيير جديد لجدول الوقت ولمنصب العمل والزمن. و هذا يفترض إمكانية التفاوض على مستوى المؤسسة وتبعا لإكراهاتها الخاصة والتشريعات القانونية.

 الفردنة  l’individualisation: و تشكل حسب "بيرتي" فكرة قوية ومركزية ثانية في تسيير الموارد البشرية. و هي تتعلق بتسيير المسار المهني و الأجرة و المنحة وعقد العمل والتقييم السلوكي و الترقية و القابلية للتوظيف و التكوين.

           فتقيّيم العامل كفردية تظهر بقوة سياسة التسيير الموارد البشرية في :

‌أ. لكل عامل خطاطة تطور المسار المهني .

‌ب. تقلص إمكانات التوظيف و الترقية يستدعي قرارات صارمة أكثر تستند إلى معرفة أفضل للمؤهلات الكامنة و الحاجات.

‌ج. من أجل دعم القرارات الفردية ، نمت منظومات التقييم . كما أن هناك أدوات تمّ وضعها منها:موازنة سلوكية le bilan comportemental.

 الاستغراق: l’implication استغراق المأجورين تعد الفكرة الثالثة القوية إذ تعمل المؤسسة على التعرف على رغبات الجديدة للمأجورين و توجيهها. و يلاحظ أن: ((السنوات الأخيرة نمت في فرنسا وفي غيرها تفكير يهدف إلى تقوية انخراط المأجورين في مؤسساتهم)) 

( ) و من أجل تنمية الاستغراق و انخراط المأجورين ، تجتهد المؤسسات في تحديد هوية ثقافية داخلية، و جعل الكل من المأجورين يشتركون فيها في مشروع المؤسسة. ) (

 ابتكار اجتماعي: innovation sociale  l'تبدو أنها حاسمة من أجل تكيف المؤسسة مع الاكراهات. فلقد نمت في اتجاهات متعددة و شملت مجموع التسيير الاجتماعي. ذلك الابتكار الاجتماعي الذي يوصف بـ : الصرامة والبراغماتية والانفتاح و البحث عن الحلول حسب الظروف الخاصة  والتي تمكن المؤسسة من الاستباق  في مواجهة التحولات المفاجئة للمحيط.( )

        إن تسيير الموارد البشرية مثال لذكاء المؤسسة الليبرالية لتكريس وجودها رغم تغير المحيط الموسوم بعدم اليقين . و ارتباطها بالمحيط و تقلباتها يدفعها إلى إعادة النظر إلى تصور نفسها   بما يسمح به التكيف. و بذلك تصبح القواعد الضابطة لسلوكات الفاعلين ليست غاية لشرعية من يسير وإنما هي وسائل لتحقيق غاية أخرى و هي نجاعة التسيير في بناء علاقات عمل تعترف بمشروعية المشاركين في حقهم في سلطة القرارا.

Publié dans Sociologie

Commenter cet article