من تسيير الأشياء إلى حكومة النّاس

Publié le par Sahli Yacine

من تسيير الأشياء إلى  حكومة النّاس

 

 

 

 التمهيد

 تسيير الموارد البشرية: نشأتها و أبعادها

علاقات العمل: التصور و الممارسة

علاقة تسيّير الموارد البشرية بعلاقات العمل

الخلاصة


 

التمهيــــد :

                                     

                    إن هذا الفصل مخصص تحديدا لأبعاد  تصور تسيير الموارد البشرية وعلاقات العمل. كما يهتم بطبيعة العلاقة الحميمة التي تجمع بين التصورين. و يسمح بالتعرف كيف أن هذين التصورين شديدي الارتباط بإستراتيجية المؤسسة في مواجهة التغير. إذ الانتقال من تصور تايلوري  أبوي و عسكري للتنظيم إلى تصور ديمقراطي لعلاقة الناس بعضهم ببعض في فضاء المؤسسة لم يكن عفويا ، بل كان و ما يزال كأثر للتفاوض و التنازلات لكافة الأفراد الذين شاركوا ـ طوعا أو كرها ـ في بناء منظومة علاقات العمل في المؤسسة. و سواء كانت المنظومة ذات طابع تسلطي أو ديمقراطي، فإنه يتبين أنها بناء اجتماعي و نتاج تعاون الناس فيما بينهم على استمرار النزاع (شجار رضي ومستمر) و قبول النزاع كأحد مكونات المؤسسة للتنظيم. و سيتبين كيف أن تسيير الموارد البشرية بقبوله النزاع في بناء علاقات العمل لا يعمل إلا على احتوائه وتدجينه و إدماج العامل و ولائه لمشروع المؤسسة. و لهذا يمكن التأكيد مبدئيا أن منطلق هذان التصوران هو تطور كيفية إدراك الفاعلين فكرة النزاع و تطور تصور علاقة العامل بالتقنية.


.Iتسيير الموارد البشرية:  La Gestion des Ressources Humaines

 

تسيير الموارد البشرية كتخصص:

 

تنتمي تسيير الموارد البشرية ـ و من دون شك ـ للمناجمنة (إدارة التسيير) أو الإدارة الحديثة ، ويشهد على ذلك تاريخها و أهدافها.() فالمناجمنة فرض نفسه كتخصص علمي ابتداء من السبعينات. و يمكن تحديد أهدافه . إنّه يتمثل في : الدراسة العلمية ذات الطابع المعياري ، التي غايتها إدماج الوسائل التقنية و المالية و البشرية في التنظيمات. وهذا الإدماج غايته السماح باستخدام رشيد وناجع لموارد المؤسسة استخداما يريد أن يكون " رشيدا ".

فللوهلة الأولى ، يبدو تسيير الموارد البشرية ذا " طبيعة " أداتية instrumentale واستراتيجي ومعياري  . و هذا الذي يمنحه الطابع التدخليّ و الميداني.إذ هو يستفيد من العلوم الاجتماعية . و التأثير ـ بأتمّ معنى الكلمة ـ هو اهتمامه الواضح في البحث ، والذي يتعلق باختيار توجهات الفعل الذي من شأنه تغيير الواقع التنظيمي السائد و المعتمد  به .

فمن حيث المنشأ، يرتبط تسيير الموارد البشرية بالأزمة البترولية 1973 التي شهتها المؤسسة الصناعية الغربية عموما، و التي تشهد كمعلم لفتح الباب أمام المرحلة الحالية حاليّا. والتي تتميز باقتصاد أصبح غير قابل للتوقع و محيط لا يعرف استقرارا و اقل مراقبة من ذي قبل الأزمة البترولية، مع زيادة هائلة و معتبرة للبطالة. فبعد مرحلة انتقالية لسنوات ذهبية و سنوات الرخاء التي استمرت ثلاث عقود بالنسبة للمؤسسة الغربية خاصة والمؤسسة العمومية الأوربية خاصة، دخلت المؤسسة مرحلة جديدة. و التي يبدو بوضوح بالنسبة لمسيّيرها أنها مرحلة تتعارض تماما مع ما عرفته المؤسسة الصناعية من قبل. هذا الذي يدفعها للتكيف أن تغيّر من تصورها للتنظيم و التغيير من اختياراتها والتعلم من خبراتها.

إن التصور الجديد لتسيير  موارد المؤسسة يتدخل للتنظيم نمط السوق و طرق تسوياته التي تقوم على قيمة التبادل la valeur d’échange .مما يجعل المسؤولين في السلم التدرجي داخل كل وظيفة أكثر أو أقل كموزّعين للموارد في صالح فرق المشروع وكضابطين في حالة وجود "مشكلات". )( و من هنا  الوصول إلى تشكيل مقاربة تنظيمية للفعل الجماعي  تعمل على  هيكلة واستقرار وتسوية علاقات العمل بين الفاعلين الاجتماعيين المرتبطين بعلاقات تبادلية إستراتيجية  حول  مشكلات أو مصالح  مشتركة.)( فتكون المؤسسة  تنسيق لاستراتيجيات متعارضة لشركاء يقيمون علاقات داخل منظومة تحتويهم من أجل إمكانية قيام نزاعات ومفاوضات و تحالفات.()

لا شك أن هذا التصور ليس وليد الصدفة، بل من واقع تحولات الاجتماعية والسياسية والقانونية لبيئة المؤسسة الغربية الليبرالية و اتجاه المنظومة القانونية في اتجاه حماية وترقية الجانب الاجتماعي داخل المؤسسة (الحفاظ على مناصب العمل ، التكوين، ...) و الذي من شأنه إنتاج تحولا نوعيّا للعلاقات بين العمل المنتج و رب العمل أو المؤسسة، إذ أضحى شريكا اجتماعيا، والعلاقة أصبحت علاقة تعاون من خلال المفاوضة عوض الصدام، والذي اقترن بضعف تأثير النقابات في تمثيلها للعمال.و تحول تصور التمثيل النقابي و إستراتيجية  افتكاكها لمطالبها. من نقابة "ثورية" إلى نقابة مطالبة و تأطير للعمال و مدافعة عن حقوق تم الحصول عليها بالمساومة والمفاوضة مقابل تنازلات .)(

 

- COSTER de M.,Introduction : bilan, actualité et perspectives de la sociologie du travail, in COSTER de M., PICHAULT F., Traité de sociologie du travail, De Boeck-Wesmael, Bruxelles, 1994 p. 23.

- A quoi sert la sociologie des organisations http://rad2000free.fr./gloslep consulté le 24-08-04.

-Le management, www.cnam.fr consulté le 05-10-2003.

-Crozier M. et Friedberg E., Op.cit., p243.

- فلا غرابة أن تنتج المؤسسة  تبعا لإستراتيجية الاحتواء و تدجين الاحتجاجات العمالية أن تظهر مقولة – و هذا في الفترة التاريخية نفسها و في ظل الظروف المتأزمة التي مرت بها المؤسسة الغربية و تحديدا في الولايات المتحدة الأمريكية – "ثقافة المؤسسة la culture de l’entreprise" و التي كان الرهان فيها هو إعادة الاعتبار للمؤسسة  من خلال خطاب إنساني يعطي للعامل الإنساني مكانته  في تنظيم  علاقات العمل . إذ يسمح هذا الخطاب الذي يكتسي طابعا علميا ، إمداد تنظيم بالمشروعية التي يحتاجه. فلا يصبح التصور الاثنولوجي للثقافة لا يمثل  إلا تلاعبا إيديولوجيا لخطاب مهيمن في المؤسسة له آثار في الممارسة. كما يمكن الإضافة للتوضيح أكثر أن مقولة ثقافة المؤسسة تفتح خلافا بين علما الاجتماع العمل و المؤسسة. إذ نجد  موقفين واضحي المعالم:

ـ الموقف الأول : يتحدد في الرفض و يعتبر ا، هناك عوامل عدّة خارج المؤسسة تهيكل الحياة الاجتماعية للمأجورين لكي تكون هذه المؤسسة منتجة  لثقافة خاصة بمكان العمل. فالتشريع الاجتماعي و الانتماء الطبقي  و الصراع العمالي بالمعنى الواسع يجعل المؤسسة تتسجل في حقل أوسع منها و يتعداها.

ـ الموقف الثاني : الذي يتمثل في موقف علماء الاجتماع التنظيمات مثل "ميشال كروزيه" و الذين أدخلوا المقولة ضمن المدونة  السيوسيولوجية يستخدمونها  غالبا في علاقاتها مع الإشكالية الإدارة التسييرية la problématique managériale  . إذ تصبح مقولة ثقافة المؤسسة هي جملة قواعد  التسيير القريبة من المناجمنة المشارك le management participatifالذي يعتزّ به الإطارات المهتمون بـ "العلاقات الإنسانية les relations humaines". فعلامات الاجتماع التنظيمات يضعون عمليا مقولة ثقافة المؤسسة في صميم تحليلاتهم للمؤسسة. و يمكن العثور على هذا التصور لهذه المقولة بوضوح فيما يعبر عنه ج. د. رينو J.D. Reynaud الذي يتحدث عنها كـ " رأسمال تقاليد التي تنتج طريقة للفعل و كمثل  مجموعة  منظومة التسوية للعلاقات الاجتماعية في المؤسسة" و تكون تبعا لهذا التصور ثقافة المؤسسة هي : قواعد اللعب الاجتماعي و التي هي نفسها ناتجة عن منظومة تسيير العلاقات الإنسانية. أنظر : : Reynaud J.D., les régulations dans les entreprises, revue française de sociologie, Janvier-mars, 1988. . و أنظر : Reynaud J.D., les règles du jeu, l’action collective et la régulation sociale, A.Collin, Paris, 1989, p.31

 و أنظر : Cuche D., la notion de culture dans les sociales, Casbah Editions, Alger, Janvier 1998 p.p100-101.

Publié dans Sociologie

Commenter cet article