التحليل الاستراتيجي - الجزء الثاني

Publié le par Sahli Yacine

             و عكس ما هو  مشهور و منتشر من أفكار ،من أن الفاعلين متمسكين بروتنيّاتهم   وبراتابتهم ، فهم في الواقع  مستعدون للتغير بسرعة إذا كان بإمكانهم أن يجدوا مصلحة في الألعاب التي تقترح عليهم. )( كما أن التغير باعتباره اكتساب  لأشكال جديدة للفعل الجماعي وتقتضي في المقابل قطيعة مع الألعاب القديمة. فإن الأزمات غير القابلة للتجنب يجب الإشارة إليها ، كما الحال بالنسبة  لمجازفة  المتعلقة بالأثر العكسي الذي يمكن أن تنتجه،  بمعنى تعزيز آليات التكيف ، وحتىّ النكوص إن اقتضى الأمر أيضا. و على أية حال فأن : ((كل تغير يشكل دائما رهان ، وقطيعة محسوبة)).)(  ومن هنا ، فالمُصلحle réformateur  ، في وضع  قوة ، ولكن (( لا يمكن في أي حال من الأحوال فرض نموذجه اعتقادا منه امتلاك الحقيقة بواسطة المقاربة المقترحة)). إنّ هذه المقاربة تتعارض مع واقع منطق " الطريق الوحيدة والأفضل the one best way التايلورية " لصالح منطق المفاوضة والوساطة في ظل احترام متبادل لكل طرف . مع العلم بأن ((المفاوضة يمكن أن تكون  أكثر لباقة  للمناورة والمراوغة manipulationو التلاعب )) )(

       فالمسلمة التي يقوم  عليها هذا المنحى  تتمفصل كلها  و تفهم انطلاقا  من الغايات  التي يطلبها الفاعل  ومن خلال التمثلات التي  لديه لهذه الغايات.  فالنجاح يرتكز على إعادة النظر في الأهداف وإعادة صياغتها، من أجل الوصول إلى اتفاق التحكيم يتفق والحس السليم.  كما أن المفارقة تكمن : في كون الغايات  لا تأخذ دلالاتها في مستوى التي تعاش فيه، بمعنى أن الغايات  غير المرغوب فيه  يمكن أن تظهر بشكل غير متوقع ، و انه لا توجد  أية غاية التي يمكن تفضيلها وفرضها على أية أخرى ممكنة.

       وبذلك يصبح الإشكال يتعلق  في أية سياسة في حالة التغير هو القدرة على التحكيم بين غايات متناقضة . كما أن  الملاحظة الامبريقية تسمح بالتأكيد أن في القاعدة هو الذي يمكن الكشف عن التناقضات الأكثر سوءا. فلا وجود لأية  ما بعد - الترشيد méta-rationnalité يمكنه تأسيس أوتبرير تحكيم نهائي. وأن هذه الاستحالة لترشيد مطلق هو الذي يدفع إلى ترشيد محدود.

      كما من الجدير الانتباه إلى أن هذه المقاربة تتعارض مع فكرة التي تستند إلى اعتبارات أخلاقية، تذهب إلى ((فرض الخير على الناس دون استشارتهم)). إنها تتعارض مع النيات الحسنة و "المجتمع الفاضل" . مع العلم أن علاقات السلطة لا يمكن تجنبها و هامش الحرية التي تضمنها، فإنه لا يوجد حتمية التي تسمح بالتأكيد بأن بِنايّاتنا الاجتماعية لا يمكن أن تكون إلا اتفاقا.

     و لما تقدم يمكن إعادة بناء مسلمات: يمكن تلخيص و تحديد مسلمات التحليل الاستراتيجي حسب "فيليب برنو Ph.Burnoux  في مؤلفه (La sociologie des organisations) ، كما يلي:

أنّ النّاس لا يقبلون أبدا معاملتهم كوسائل في خدمة أهداف التي يحددها المنظمون للتنظيم: كلّ فرد له أهدافه الخاصة، التي ليست بالضرورة مضادة أو منحرفة بالنسبة للأهداف الخاصّة بالمنظمين، و إن كانوا يستطيعون أن يجعلوها تكون كذلك.

أنّ في التنظيم كل فاعل يُبقى على إمكانية لعب مستقل، يستعمله  بصورة دائمة بشكل أكثر أو أقل ـ هذا الإثبات هو مركز التحليل الاستراتيجي. إنّها صادقة لكل المواقف ، حتّى بالنسبة للمؤسسات الكليانيّة مثل السجون و مراكز الحشد.

               أنّ في لعب السلطات تكون الاستراتيجيات رشيدة دائما و لكن "رشادة محدودة". إذ هي من الضرورة  أن تأخذ بعين الاعتبار استراتيجيات الفاعلين الآخرين ومختلف إكراهات المحيط. فلا واحد من الفاعلين له الوقت و لا الوسائل لإيجاد حل عقلاني مطلق من أجل بلوغ أهدافه. ولذلك من أجل بلوغ أهدافه الخاصة يقتضي على الفاعل الاجتماعي اختيار الحل الذي يكون أقل عدم إرضاء له le moins insatisfaisant.)( و ليس الحل بالضرورة الأفضل.

      و بهذا يكون تصور علاقات العمل  من خلال ما يتمثله الفاعلون من موارد و إكراهات وضمن سياق ما . تقوم هذه العلاقة على قدرة الفاعلين على التبادل السلوكات و التأثير في بعضها البعض . و تبني استراتيجياتها الآن و هنا وفق ما تتوقعه من الآخر في تبادلها معه و مناطق الارتيات التي يتحكم الفاعلون فيها من اجل حلول مقبولة منهم و من طرفهم. و الشكل التالي محولة لتمثل هذه العلاقة المركبة بين الفاعلين في تصور البحث في كيفية بناء علاقات العمل في المؤسسة:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


علاقــــات العمـــــل

 
 

 

 


مأسسة النزاع

 
 

 

 


وضع قواعد مقبولة بفعل التفاوض و الضابطة لسلوك الفاعلين

 

الحد من مناطق عدم اليقين التي يراقبها الفاعل

 


تسيير الموارد البشرية تقنية للحد من اللعب الاجتماعي

 
 

 


قابليتها للتوقع أكثر

 
 

 


يكون مورد و إكراه للفاعل و الفعل الجماعي

 


) .

         فهو يضع إستراتيجية هنا و الآن ،يحدّد السلوكات التي يمكن بواسطتها تحقيق أهدافه. وأهدافه لا تتمثل في إشباع حاجاته و إنما الوصول إلى إرضاءها فحسب و إلى حين. فكل إنسان حسب "كروزيه " يبحث على أن يكون غير متوقع لكي لا يكون مجرد وسيلة. و هذا لا يتسنى له إلا بالمحافظة على هامش الحرية في صالحه. كما أن الإنسان في وضع قرار ليس قرارا على تعظيم قراره بحكم استحالة استحواذه على جميع المعلومات الضرورية لتحديد أفضل قرار. و هذه الاستحالة مرتبطة أشد ما يكون الارتباط  بإكراهات الموارد الفكرية التي يتمتع بها كإنسان ـ والتي هي محدودة مهما كانت عظيمة ـ  والمعلومات التي بحوزته من أجل اختيار كل الحلول الممكنة وتوقع آثارها. ولذلك يعجز الفاعل عن تحديد اختيارات واضحة و مستقرة و متدرجة . في الواقع الفاعل الاجتماعي يقوم بتفحص ظرفي ـ أي تبعا لظروفه الآن و هنا ـ و يقارن الحلول على حسب معايير لرضاء أدنى. ويقف في اختياره للحل الأول  المرضي الذي يتبيّه. فالمشكل ليس الحلول و إنما تحديد معايير رضاء الفاعلين الاجتماعيين لمعرفة الحلول المقبولة و التي تنال رضاهم.

           لا يتم كل هذا الاختيار خارج القواعد و مع غياب السلطة. إذ لا معنى للقواعد بغياب السلطة. و لا وجود لقواعد دون افتراض وجود سلطة. و لا معنى لتنظيم دون قواعد منظمة لسلوكات الأفراد .هذا مع العلم أن السلطة ليست شيئا يمكن امتلاكه و لا توريثه أو إهداؤه، وإنما تتمثل في قدرة الفاعلين التأثير في الآخر و دفعه لتغيير سلوكه مقبول واتخاذ سلوك ما مرض بالنسبة لهم. حتى و إن كانت هذه قدرة التأثير ليست متكافئة فهي لا تكف عن التأثير. لهذا يُنظر إلى علاقات العمل إليها على أنها علاقات سلطة لها طابع أداتي وليست متعدية بالضرورة و مع ذلك فهي غير متكافئة، على حسب الاكراهات و الموارد التي يتمثلها الفاعلون لمحيطهم.

        إن تصور السلطة في المقاربة الإستراتيجية مركزي  لتفسير كيفية بناء علاقات العمل وفهم إستراتيجية الفاعلين في ترهين علاقة السلطة و التنظيم القائم.و يساهم ـ من جهته ـ في تفسير استقرار المنظومة.  فأهمية السلطة تقاس على حسب عدم التوقع و وجاهة مناطق عدم اليقين والموارد المتبادلة بين الفاعلين. إنّهم يدركون علاقات السلطة ويتمثلون مناطق عدم اليقين و ينتجون استراتيجيات  وسلوكات لإرضاء حاجات راهنة على حسب إكراهات المحيط العام والخـاص. فينتجون سلوكات بديلة تواجه تلك الاكراهات و بما يملكون من موارد يمنحهم إياها المحيط . وهذا التأثير المتبادل لاستراتيجيات الفاعلين فيما بينهم ينتج منظومة  نمط من العلاقات المستقرّة.

 

- Crozier M. et Friedberg E., op.cit p.386.

-Ibid.,p.440.

-Ibid.,p.422.

-Burnoux Ph, La sociologie des organisations, Le seuil,Paris, 1995 in http:// sylvain.daniel.free.fr consulté le : 12-5-2004.

-Crozier M. et Friedberg E., Op.cit, p.46.

-Idem, p.40.

-كريب إ. ، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة م. حسين، سلسلة عالم المعرفة، عدد أبريل،الكويت، 1999،ص ص 48-49.

- إ.كريب، المرجع السابق، ص36.

3-أ.كريب، المرجع السابق، الصفحة نفسها.

- دليو ف. ، أسس الاثنوميتودلوجيا، دراسة في المنهجية،سلسلة دروس جامعية، إعداد مجموعة من الأساتذة تحت إشراف د. فضيل دليو، ديوات المطبوعات الجامعية، ص 74.

 

 
 

تصور بناء علاقات العمل

الشكل 01

)

      فتمشي البحث كما تدعو إليه المقاربة الإستراتيجية  يتمثل في إعادة بناء حرية وترشيد ـ التي هي دائما محدودة ـ و ربطها بالإطار التي تُلاحظ فيه و من أجل اقتراح تأويلا للمكانيزمات العينيّة التي تحد  من حرية الفاعلين و التي تعد دائما اتفاقية ، و التي تسمح بإبقاء التنظيم مثل مجموعة متكاملة و مستقرة. )(

         يبقى التساؤل : كيف يمكننا معرفة ما إذا كانت مقاربة ما مصيبة أم ليست مصيبة ؟ و إذا كان الاختيار سيء أم ليس سيّئا؟ هل كان بالإمكان اختيار مقاربة أفضل؟ إنه تساؤل مشروع بالنسبة للباحث  وبالنسبة للقارئ .

       و في حقيقة الأمر لا يوجد إجابة قطعية و نهائية لهذا السؤال. و إنما بالاستطاعة التمييز بين التفسير الأكثر كفاية من غيره أو أقل كفاية الذي تقدمه هذه النظرية أو تلك المقاربة. و هذا التمييز ليس عملا هيّنا بسيطا، إذ يتضمن مجموعة من النواحي التي تختلف من شكل نظري لآخر. بيد من الواجب التذكر دائما (( أننا نعيش في عالم لا يعطينا إجابات نهائية و قطعية. مثلما يتغير هذا العالم ويصبح مكانا ما كان مختلف عن ذي قبل))، كذا تتغير النظرية أو المقاربة التي هي وسيلة للفهم ولإدراك العالم الذي يتمّ   دراسته.

      كما أن هناك عدد من المعايير التي بالاستطاعة الاستعانة بها و التي بواسطتها يقع الحكم على تلك المقاربات التي تتحدث عن المجتمع:

فالنظرية "المقبولة" هي تلك التي:

باستطاعتها أن تحدد بصورة تفصيلية أكثر العمليات السببيّة و المواقف التي تشتغل فيها تلك الآليات السببيّة .

التماسك المنطقي مهم. ّلك أن النظرية التي تناقض نفسها باستمرار يجب أن يُنظر إليها  بعين الريب.

أما من الناحية التجربة، فإن النظرية لابد أن تقاس على الأدلة التي تقدمها.()

 

             و إذا كان من الضروري تبرير استخدام مقاربة دون أخرى، و هذه المقاربة دون سواها.  بوصف المقاربة وسيلة لإقامة المعرفة عن الواقع الاجتماعي و إدراكها و الإمساك به.() فإنّه يمكن القول أن أي  نظرية تستخدم كمقاربة تقوم بوصف الواقع لابد أن تطرح في ثناياها ـ تصريحا أو تلميحا ـ افتراضات عمّا يجب أن يكون عليه شكل ذاك الواقع (البعد المعياري) . ولقد دعا "ألفين جولدنر " هذه الافتراضات " افتراضات المجال Domain Assumption" . وبناء على ذلك، فإن النظرية تنطوي دائما على نظرة معيّنة إلى الفعل السياسي ، و على أشكال "الفعال" الممكنة والمستحبة. و هذا يعني أن النظريات الاجتماعية لا تتكلم فقط عن العمليات والصراعات والمشكلات الاجتماعية ، بل هي كذلك جزء من تلك العمليات و الصراعات والمشكلات التي تدرسها و التي تشكل محل اهتمامها. علما بأن البحث هو مشروع ضمن منظومة  من الاكراهات و الموارد أيضا.

       و ليس بعيدا عن الحقيقة القول في هذا المقام أن النظرية ذاتها ـ خاصة إذا استخدمت كمقاربة لطرح إشكال أو اقتراح حلّ له ـ ذلك أنها من دون شك قد تستخدم   دفاعا عن وجهات نظر مختلفة وبطرق متنوعة و في مواضيع متباينة. () و هذا الذي يعطيها طابعا نسبيّا من الضروري توخّي الدقّة العلميّة و تجنب الذاتيّة لإدراكه. و في هذا المستوى التحليل، من الضرورة الإشارة إليه.


الخلاصـــــة :

 

        حسب المقاربة الإستراتيجية  التي يتبناه هذا البحث المتواضع هو أنه لا يوجد أي ترشيد ـمهما كان درجته ـ في توقع و ضبط سلوكات النّاس. و إذا كان الترشيد باستطاعته التوقع، فإنه لن يستطيع أن يتوقع كلّ شيء. و لأنه لا يمكنه أن يتوقع كلّ شيء الحكمة تقتضي الاعتراف بالجهل الجزئي في تسيير المؤسسة و قبول على ـ مضض بالعامل البشري على أنه طرف وشريك اجتماعي ـ صراحة أو ضمنيا ـ في تسيير المؤسسة وتنظيمها. أي اعتبار العمال ليست كائنات سلبية يسلكون سلوكات قابلة للتوقع الحتمي بل كونهم : فاعلون يفعلون أي يؤثرون على المؤسسة و التنظيم تبعا لاكراهات  الإطار الذي تقنية يدركونها و يبنون استرتيجية من خلالها  ويختارون سلوكات من شأنها  إرضاءهم  ومقبولة لديهم و من طرفهم.

      و أن الفاعل ليس سلبيا و اختياره ليس محدّدا من قبل  و قابلا للتحديد . و من هنافهو ليس قابلا للتوقع. إنه يوصف بأنه" انتهازي " مقابل إكراهات المحيط ، مادام التصور النظري يقدّمه على أنه يستخدم  و يتصيّد الموارد التي يتمثلها في محيطه من أجل تحسين وضعه . لذلك يوصف بأنه استراتيجي. هذا التصور لا يعدّ أشكال المؤسسات الاجتماعية أنّها : ((تحدد في غفلة من الفاعلين الاجتماعيين)) أو أن هناك مجموعة من المعايير يخضعون لها وتكرههم على الاستجابة لها . فالمعايير الاجتماعية التي تنتجها المؤسسات هي أثر لتفاعلات، إذ يساهم الإنسان في تكوينها و استمرارها.(

Publié dans Sociologie

Commenter cet article