الخلاصة العامة و نتائج البحث للرسالة

Publié le par felssafa.over-blog.com

 

 

 

 

 

 

 

 

الخلاصـــة العامــــة


 

إنّ علاقات العمل من حيث التعريف ، هي مأسسة للنزاع . لذلك لا يمكن الحديث عن علاقات العمل إلا عندما بدأ الاعتراف بأن المؤسسة الصناعية ليس مكانا لاستئجار قوة العمل فحسب و إنما هي أيضا الفضاء الذي فيه يمارس الناس حقهم في الاختلاف و التعدد. ولا غرابة في أن تدعي علاقات العامل بتسميات مختلفة من  بلد إلى آخر. فهي الديمقراطية الصناعية أوعلاقات مهنية أو علاقات صناعية. و بذلك تكف على أن يكون تنظيم العمل من حق المسيّر وحده أو رب العمل.و في هذا المنحى، أصبحت  سلطة القرار  الصناعي شراكة بين العمال  أوممثليهم ،  و رب العمل  و السلطة العمومية والجماعات المحلية  كذلك. أي  أن المؤسسة لم  تعد منظومة مغلقة بل مفتوحة على المحيط . فيها تتأسس علاقات ليست إنسانية ـ كما كانت تود مدرسة العلاقات الإنسانية ـ فحسب، و إنما اجتماعية أيضا.

بتعبير آخر أن المنظومة بحكم أنها نسق مفتوح ، ما كان لها أن تبقى منظومة للإنتاج فحسب، و إنما هي منوطة لتنمية علاقات المواطنة كذلك. و قبولها بالنزاع الجماعي كظاهرة " طبيعية " ملازم للتنظيم و المنظومة. و بواسطة التسوية للنزاع و البحث عن كيفية تسويته وأنماط التسوية تتشكل علاقات العمل.  فيبدو النزاع مؤسسا للنظام و العكس لا يبدو أنه صحيحا.  والمسير بقبوله بالتفاوض مع العامل، بحكم أن العامل مورد هام   و ليس كلفة و قيمة مضافة ليس عبئا على المؤسسة. و أن العامل موردا إنسانيا يجب تنميته لأنه في صالح المؤسسة. لم يكن لكي يكون طواعية و أنما لاكراهات المحيط الذي أمسى شديد التحول و لأن  الأولوية لم تعد الإنتاج وإنما التسويق في سوق ت ـ باعتبار السوق بناء اجتماعي و ليس طبيعيا ـ لا تعرف استقرارا و في عالم من المنافسة  الموسومة بعدم اليقين. بمعنى أن بقاء المؤسسة يقتضي من المسيّر التحول من تسيير عسكري – بيروقراطي وأبوي  إلى تسيير يقبل باقتسام سلطة القرار الاقتصادي ، و يميل إلى مقولات جديدة مثل الثقة والوفاء والإخلاص للمؤسسة . و تسيير الموارد البشرية هي  تقنية  مستحدثة من طرف الليبرالي و امتداد للتصور الليبرالي لعلاقات القوة في المؤسسة ، تقبل بالنزاع  الجماعي ولكن من أجل تطويعه وتوظيفه  مستعينة بذلك بجملة من العلوم الشتى من بينها علم النفس الصناعي و علم التسويق و علم النفس و علم الاجتماع  وغيرها من العلوم الإنسانية في كيفية احتواء النزاع و استباقه. ويظهر ذلك في أبعاد  تسيير الموارد البشرية من خوصصة للفعل الجماعي : عقد العمل والعلاوات و الترقيات و المنح وتسيير المسار المهني. إذ أن تسيير الموارد البشرية تمثل قدرة المؤسسة الليبرالية على التكيف مع معادي بوسائل أخرى و بأنماط من التسيير أكثر نجاعة. فيه توفق بين اكراهات المحيط بفردنة النزاع  لكي يسهل احتواؤها من جهة . ومن جهة أخرى تظهر بالمظهر الإنساني الذي يبحث عن جعل عالم الشغل عالما ديمقراطيا.  فتسيير الموارد البشرية كفكرة و ممارسة هي إعلان عن تجاوز تصور الصراع الطبقي الثوري غير المجدي بالنسبة للنقابية و الحركة العمالية إلى تصور النزاع المسالم والذي يقبل بالتفاوض والمساومة والتنازلات و المسالعات مقابل ما يمكن أن ينمح لها حقوق أوما يقبل من تنازلات ـ غالبا ما تتمثل في زيادة الأجور ـ و تلك كلها مناسبات تبرر وجود النقابة . بل حتى الفعل النقابي أصبح يقدم خدمات فردية بدوره.

و لهذا علاقات العمل و تسيير الموارد البشرية لا يمثلان إلا وجهين لواقع المنظومة ذات التصور ما بعد التايلوري . إن هذا التصور ـ الذي يبدو متجاوزا  في ظل تصور تسيير الموارد البشرية ـ لم يكف هذا التصور متواجدا لا يقبل بالتفاوض و لا بالتحالفات . ويبدل كل طاقته في احتوائه يساعده في ذلك هشاشة السوق و تشريعات المنظمة للعمل  التي تحد من لعب الفاعلين الاجتماعين و تمنح للمسير فرصة لحل مشكلته في تسيير التعاون أو النزاع و الاقتصاد في تسييره ، مع توفير الشروط  اللازمة لإنتاج أكثر و نجاعة أكبر للمؤسسة. 

و من هنا فإن تسيير الموارد البشرية هي إستراتيجية المؤسسة في احتواء النزاع وإبقاء السلم الاجتماعي. أي الظهور بالمظهر الإنساني ، ليس للمحيط الخارجي و إنما حتى للعامل نفسه. إنه يظهر كمشارك للقرار الاقتصادي من خلال ممثليه  و يمارس حقه في الانتخاب من يمارس سلطة القرار بالنيابة عنه . إن هذه الديمقراطية تتجاوز بشكل واضح وظاهر التقسيم التايلوري ، بين المنفذين و الذين  مهمتهم  التصور ، أي بين اليد التي تنفذ والعقل الذي يفكر. و إذا كان لا يمنع للعامل إستراتيجية في السياق الذي يتحرك فيه، فهي حل يتم في سياق من التبعية. إذ هو مدفوع لترشيد سلوكه بما تقتضيه علاقات القوة بتقييمه لموارده و اكراهاته. ومن هنا يترتب عن علاقة التأثير المتبادلة التي يسمح  بها  السياق تأسيس علاقات العمل ضمن لعب يختاره الفاعلون و يقبلون به. و إن كان لعبا  فهو لعب يؤمنون به. ولأنهم يؤمنون به فهم صادقون فيه ومخلصون لقواعده إلى حين. هذه القواعد التي ينتجونها هي التي تشكل استقرار المؤسسة ، سواء كانت  رسمية من خلال المفاوضات الجماعية و الاتفاقات أو غير رسمية من خلال" المفاهمات" و " التفاهمات " والمساومات و المسالعات. و لا يعني أن تلك الاتفاقات والمفاهمات الأفضل لهم وإنما هي أقل سوء  في انتظار ما هو أفضل منها. و لهذا يظهر العامل والإدارة و السلطة العمومية و النقابة كفاعلين انتهازيين يقتنصون الفرص من خلال لعب التأثير والقدرة على احتواء لعب الآخر تنمية قدرتهم على الاستباق، بزيادة قدرتهم على التوقع. والقدرة على التوقع تزيد  بالتفاوض على وضع قواعد ضابطة لسلوكات الفاعلين تحد من خياراتهم . و هنا نقطة التقاء تسيير الموارد البشرية و مأسسة النزاع أي علاقات العمل.

إن تصور المؤسسة يختلف على حسب سياقها ( القانوني و الاقتصادي و التشريعي ) تنتج حلولا لـ "مشكلاتها " و من هنا لها منطقها ، لا يمكن فهمه إل بالرجوع إلى الفاعلين أنفسهم. فلا يوجد لتسيير أمثل لأن التسيير نجاعته تكون بما يريده الفاعلون أنفسهم. و مهما كان يبدو التسيير نموذجي ، فنجاعته لا تظهر إلا بقدر ما يقبله الفاعلون و يدمجونه ضمن مصالحهم وأهدافهم على حسب ما يدركونه من إكراهات و موارد يمنحهم إياها المحيط الذي يتحركون فيه.

و موضوع هذا البحث المتواضع هو محاولة للتعرف على إستراتيجية الفاعلين الاجتماعيين في المؤسسة العمومية الصناعية الجزائرية. أي معرفة الحلول التي يلجأ الفاعلون في بناء علاقات العمل وكيفية تسيير نزاعاتهم. و ما هي إكراهاتهم و مواردهم التي يتمثلونها  وتسمح لهم باللعب  ضمن علاقة التأثير المتبادلة للفاعلين في بعضهم البعض و من خلال التحالفات و التنازلات والمساومات. والتي لا يمكن فهمها إلا بالرجوع  للفاعلين أنفسهم . ولقد تم عرض الاكراهات الفعل الجماعي  ضمن اكراهات  عامة للمحيط  و خاصة بمؤسسة البحث كما يتمثله المشاركون أنفسهم في البحث والكشف عن الحلول التي  ابتكروها لكي تعرف المؤسسة استقرارا لمدة 13 سنة.  و لقد تبين من خلال المعطيات الميدانية والملاحظة والمقارنة بين إجابات المشاركين إمكانية تفسير و فهم هذا الاستقرار للمنظومة العينية للفاعلين ، من خلال آليات  التشريعات القانونية التي تمنح الإدارة و رئيس المؤسسة هامشا من الحرية يسمح له باحتكار سلطة القرار الاقتصادي . ذلك أنه يملك القدرة على تكييف القانون بما يسمح له بتسريح العمال أو توظيفهم أو إعادة  تجديد عقد العمل أو منح فرص التمهين لأقارب أو أبناء العمال ومعارفهم . فمن خلال   وضع إستراتيجية لمنظومة المكافآت والعقوبات والتحفيزات بواسطة التحيز من شأنه أن يسمح بإعادة توزيع الإكراهات  و الموارد التي يمنحها التنظيم الرسمي. و الذي يمنح بدوره فرص لكل الفاعلين من أجل التنافس من أجل الاستفادة من هذا التحيز أو على الأقل المحافظة على ما يدركون أنه مكسب. و يظهر من خلال اجابات المشاركين أنه يتمثل في الأجرة التي أصبحت مضمونة شهريا . إن  رئيس المؤسسة بواسطة  التلاعب و لعبة التأثير يحظى بتمثل إيجابي للمشاركين ليس لكونه كفءا ونزيها و إنما لكونه متفهما لظروف العمال مما يجعله يبدو أنه خبير بالمؤسسة وكيفية اشتغالها. فهو يساير منطق استدلال الفاعلين فيها : إنه ولد الدار و ابن الشركة و " ولد  عائلة " و " ولد سيدي سالم " وليس خريج إحدى جماعات الأمريكية في المناجمنت. إن صرامته مع العمال فيها تحيزا مما يجعل المنافسة قائمة بين العمال أنفسهم و ليس مع الإدارة،  يغنيهم ذلك عن التضامن مع بعضهم البعض. و يسمح بظهور الفردانية في استراتيجياتهم المتباينة و المتغيرة :" طاق على من طاق " . مما يدل على ذكائهم وانتهازيتهم في اقتناص ما يسمح به واقع المؤسسة و الفرص التي يدركونها. لذلك عندما يتعلق الأمر بوضع المؤسسة يقبلون بالعمل" السيئ " و تكون  " مشكلتهم"  هي  إكراهات من خارج المؤسسة ، متعلقة بسياسة الدولة . ويرون أن الذي يجعل مناخ المؤسسة مقبولا هو " الأجرة الشهرية " و لا يتوقعون المشاركة في أي احتجاج جماعي في المستقبل. و تتغير إستراتيجيتهم تماما عندما يتعلق الأمر برغبتهم في التغير و تبرير هذا التغيّر . إذ أن الذي يقفز للأذهان هو : كيف  تصبح " مشكلتهم " هي المحسوبية و" الحقرة " و التحيز والمعاملة الديمقراطية في مكان العمل. مما يدل على أن إستراتيجية الفاعلين ليس ثابثة و على أنها ليست واحدة و أنها لا تتم في فراغ و إنما ضمن  سياق إكراهات وموارد يدركها الفاعلون.

و من هنا فإن أي تغير لا يتم دونهم. و من هنا يكون اخذ بعين الاعتبار إرادتهم ونياتهم من الضروري، لنجاح أي  مشروع . و مهما كان هذا المشروع يبدو رائعا ، و مهما كان التنظيم يبدو نموذجا للترشيد. فإن كل ترشيد للتنظيم خارج إرادتهم ، و مهما كانت وسائل المراقبة والضبط ، سينجح الفاعلون في إنتاج سلوكات بديلة تسمح لهم بالتكيف معه . و سيعيدون تشكيلها  على حسب مصالحهم وأهدافهم .  إن الذي يبدو ليس رشيدا هو إرادة أن يكون التنظيم والمنظومة مغرقة في الترشيد.

 

Commenter cet article